Interdisciplinary Biblical Research Institute
نموذج
العهد الجديد للمسيا/المسيح

New Testament Model of the Messiah, RR#6 (Arabic)

روبرت س. نيومان

معهد اللاهوت الكتابي

هاتفيلد، بنسلفانيا

 

حقوق الطبع و النشر 1981، 1988 لـ روبرت نيومان. جميع الحقوق محفوظة.

 

ملاحظة من المحرر

على الرغم من إتفاق الكاتب مع البيان العقائدي لمعهد بحوث الكتاب المقدس القائمة على تخصصات عديدة (IBRI)، إلا أن هذا لا يعني أن جميع وجهات النظر التي اعتنقها الكاتب في هذا الفصل تمثل المواقف الرسمية للمعهد. و حيث أن واحد من مقاصد سلسلة تقارير التي ينشرها معهد IBRI، هو أن تكون بمثابة منتدى للمناقشة قبل الطباعة،   لذلك فمن المحتمل أن يكون الكاتب قد نقح بعض جوانب هذا الفصل و  قام ببعض التعديلات فيه، منذ أن قام بكتابته لأول مرة.

رقم الكتاب القياسي الدولي (ISBN): (0-944788-06-8)

 

هناك أشخاص و أحداث شتى تنبأ بهم العهد القديم.   لكن ليس هناك ما هو أكثر إثارة للإهتمام من فكرة المخلص، الآتي، الموعود به، و إنقاذ إسرائيل من أعدائها.   و يُعرف هذا الشخص سواء عند اليهود أو المسيحيين بالمسيا (المسيح).

خلال القرون التي تقع حول مطلع العصر المسيحي، حاول العديد من اليهود القيام بضم الإشارات المتناثرة عن المسيا في العهد القديم، من أجل معرفة مَن سيكون المسيا، ماذا سيفعل، و متى سيأتي، و هكذا.   كان الوضع في ذلك الوقت شبيه بالوضع في المسيحية الإنجيلية اليوم، حيث توجد مناقشات طاحنة فيما يتعلق بموعد وطبيعة الأحداث المتصلة بالمجيء الثاني للمسيح، بحسب ما صوره العهد الجديد.

و من حسن الحظ فقد نجا عدد من الكتابات من العصور القديمة و التي تحافظ على معلومات حول الفكر اليهودي عن المسيا في ذلك الوقت.   تم العثور على أقرب هذه الكتابات في ما يُسمي الأدب الأبوكاليبتي (الرؤيوي: الشبيه بسفر الرؤيا) مثل كتاب أخنوخ، وصايا الآباء البطاركة الاثنى عشر، نبوات سيبيل، باروخ الثاني، و عزرا الرابع، لمجرد ذكر أسماء قليلة من كثير و التي يرجع تاريخها من القرن الثاني قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد1.   و لقد أضاف اكتشاف مخطوطات البحر الميت، و هي عبارة عن مكتبة كاملة تخص مجتمع رهباني يهودي كان يحيا في قمران، و هي مكونة من مثل هذه الكتابات، و التي تمدنا بمخطوطات مبكرة من الأدب الرؤيوي و أيضاً مناقشات و تفسيرات كتابية/توراتية ترجع إلى وقت يسوع على وجه التقريب2.

علاوة على ذلك، يوجد لدينا من القرن الأول الميلادي، كتابات المسيحيين الأوائل محفوظة في العهد الجديد.  و وفقاً لهذه الكتابات، تم تطبيق نبوات العهد القديم التي تخص المسيا، على شخص يسوع الناصري، أولاً بواسطة يسوع نفسه و ثانياً بواسطة أتباعه المباشرون.   و في القرون القليلة الأولى بعد زمن يسوع، كانت التقاليد الشفوية و مناقشات الحاخامات عن النبوات المسيانية، مكتوبة في الأدب الرباني.   و يعتبر التلمود البابلي المجموعة الأكثر شمولاً من هذا الأدب3.

خلال هذه القرون، كانت نبوات العهد القديم عن المسيا بمثابة "البيانات" المتاحة (إذا كان لنا أن نستعير بعض المصطلحات من العلم)، و التي منها تمت صياغة مختلف "النماذج" أو "النظريات"، حاولت كل واحدة منها رسم صورة واحدة للمسيا أو المسحاء المقبلين.   و أيضاً تمت صياغة عدة نماذج "أبوكاليبتية/ رؤيوية"، بما في ذلك "نموذج قمران"؛ و كان هناك نموذج "العهد الجديد'' أو " النموذج المسيحي"، و أيضاً هناك العديد من "النماذج الربانية" عن المسيا.    في هذا الفصل، سنقارن هذه النماذج معاً، والأهم من ذلك، سنقارنها مع بيانات العهد القديم. سيتبين لنا أن نموذج العهد الجديد يحظى بتفوق واضح على النماذج المنافسه و ذلك في مدى تطابقه مع بيانات العهد القديم.

في مجال العلوم، كلما تم اقتراح نموذجين أو أكثر من النماذج لتفسير بعض الظواهر، يحاول الباحثون القيام بتصميم تجربة حاسمة للتمييز بين النماذج، و هي التجربة التي ستستبعد جميع النماذج إلا واحد، أو على الأقل تثبت تفوقه الواضح.  في حالتنا هذه، كما في أي تحقيق تاريخي، نجد أن التجارب غير ممكنة.   و مع ذلك ما زلنا نبحث عن بيانات حاسمة معينة تؤدي وظيفة مماثلة.   في الواقع، إن البيانات المتعلقة بالمسيا في العهد القديم تحتوي على العديد من المفارقات التي تجعل من الصعوبة بمكان، تقديم نموذج مُرضي.   و النموذج الذي يمكنه التعامل مع هذه المفارقات، يكون متفوقاً بشكل واضح على تلك النماذج التي لا تستطيع القيام بذلك.

يُعتبر هذا الضرب المعين من ضروب النقاش أمراً غاية في الأهمية اليوم، و ذلك لأن اللاهوتيين الليبراليين يسعون إلى استبعاد أي محاولة لاستخدام تحقيق النبوات كدليل على المسيحية.  و في كثير من الأحيان يتهم الليبراليون المسيحيين الإنجيليين بالتحيز، مدعيين أنهم "نهبوا العهد القديم'' للعثور على فقرات يمكن ليها لتكون نبوات عن يسوع.   أما الإنجيليون، من الناحية الأخرى، فيشعرون أن الرفض الليبرالي للمعجزة، يضرب بمسألة حقيقة المسيحية الكتابية برمتها عرض الحائط، و التي تؤول إلى لا شيء إذا لم تكن ذات طبيعة معجزية.   لذا، فإن أي تحقيق يمكن أن يرجع بنا إلى زمن يسوع، يسمح لنا أن نختبر، إلى حد ما، أثر هذه النبوات على القدماء.  علاوة على ذلك سيتيح لنا أن نرى سبب آخر يوضح لماذا شهدت المسيحية ذلك النمو المذهل في الوقت ذاته الذي توقفت فيه اليهودية أن تكون ديانة تبشيرية.

لن ننحاز في هذا التحقيق، و ذلك من خلال دراسة المقاطع التي يدعي العهد الجديد فقط أنها مسيانية، و لن نرفض المقاطع التي شككت الليبرالية الحديثة بكونها مسيانية.   بدلاً من ذلك سيتعين علينا النظر فقط في الفقرات التي كان يُعتقد أنها مسيانية من قبل الحاخامات/ الرابيين القدماء4.

 

وظيفة المسيا/المسيح

الكلمة الإنجليزية مسيا تم استعارتها مباشرة من الكلمة العبرية التي تعني "الممسوح".  بالمثل الكلمة الإنجليزية التي ترجمتها المسيح هي استعارة من الكلمة اليونانية التي لها نفس المعنى.   تشير الكلمات إلى ممارسة طقوس دينية بصب زيت الزيتون المعطر على رأس شخص لتعينه كاختيار الله له للقيام ببعض المهام الهامة.   في العهد القديم، كان كل من رئيس الكهنة و ملك إسرائيل يُمسحان عند تولي منصبيهما.   وبالتالي فإن السؤال المطروح بطبيعة الحال، "هل المسيا المُتنبأ به ملكاً أم كاهناً؟"'

على ما يبدو، أن الطائفة اليهودية في قمران توقعت اثنين من المسيا.   فمثلاً، يتكلم كتاب التلمذة لهذه الطائفة عن مجيء "مسيا هارون و مسيا إسرائيل"5.   و حيث أن الكاهن هو سليل هارون و الملك هو الذي يحكم على كل إسرائيل، فإن معظم العلماء اعتقدوا أن هذا يشير إلى المسيا-الملك، و المسيا-الكاهن6.  هذه الفكرة ليست فريدة بالنسبة لقمران، لأن وصايا الآباء البطاركة الاثني عشر، تصور مسيا من لاوي (سلف هارون)7، و مسيا من يهوذا (سلف داود).8

قد يبدو هذا الطراز الجديد المكون من اثنين من المسيا غريباً علينا،  و لكنه في الواقع معقول جداً.  فلقد حافظت أنظمة العهد القديم لإسرائيل على سلطة الكهنوت و السلطة المدنية منفصلتين تماما.   لم يكن موسى ويشوع أو القضاة من الكهنة (فقط صموئيل، في فترة الأزمة في تاريخ إسرائيل، يجمع بين الاثنين).   و لا كان المُلك ممنوح لنسل لاوي. في الواقع، ضرب الله عزيا الملك بالبرص، عندما حاول أن يقوم بوظيفة الكاهن، بحرقه البخور (2 أخ 26 :16-21)، و أوقف الله طموحاته الكهنوتية، و أنهى بفعالية على ملكه كذلك.   وبالتالي فإن فكرة أن الملك القادم و الكاهن القادم ينبغي أن يكونا شخصين منفصلين، متأصلة في الفكر اليهودي.

من هذا المنظور، من المثير للدهشة أن يرى العهد الجديد، المسيا على أنه شخص واحد، له صفة ملك و كاهن، كليهما. على سبيل المثال، عب 1:  8 تصور يسوع الملك بوضوح، في حين أن الإصحاحات من 3 إلى 10 من نفس الرسالة تناقش نشاطه الكهنوتي.   عموماً، في ضوء خلفية العهد القديم، يبدو هذا أنه اختصار لتمييز كان موضوع بعناية بين الشخصيتين، تقريبا كما لو أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين أممي، و ليس على دراية بالعهد القديم.

في الواقع، ومع ذلك، هذه واحدة من المفارقات الخاصة بالنبوة عن المسيا في العهد القديم.   و على الرغم من أن ترتيبات العهد القديم تحافظ بعناية على وظيفتين منفصلتين، فربما كان المقصود جعل المسيا يبرز على أنه الشخصية الفريدة التي ستجمع بين الوظيفتين في شخص واحد.   يعتبر المزمور 110، من المزامير المسيانية في أوقات ما قبل المسيحية9، و هو يتحدث عن الله الذي يقيم شخص كحاكم (آية 1-3) الذي هو أيضاً كاهن (آية 4): "أقسم الرب و لم يندم: أنك أنت الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق" و لكن فقط بسبب الفصل الشديد بين المُلك و الكهنوت في إسرائيل، كان من الضروري على كاتب المزمور 110 أن يرجع لسفر التكوين، قبل أن تصبح إسرائيل أمة بقرون، ليجد في شخصية ملكيصادق السرية (تك 14) مثالاً على الشخص البار الذي له وظيفة كاهن و ملك على حد سواء!

هنا، إذن، نرى أن نموذج قمران الذي يتكون من اثنين من المسيا، على الرغم من بدايته الأكثر عقلانية، إلا أنه قد فشل في التعامل مع فقرة من الفقرات المسيانية المهمة.   و لأن هذه الفقرة تبدو مخالفة و ضد المغزى العام للعهد القديم، تم تجاهل المزمور 110، دونما النظر للسبب الذي جعل الله يحافظ على مثل هذا الفصل الحاسم.   في السؤال المهم عن وظيفة المسيا،  يكون نموذج العهد الجديد متفوقاً بشكل واضح، و يحل هذه المفارقة الكبيرة.

   

عمل المسيا/المسيح

و لأن المسيا هو الملك، نتوقع بطبيعة الحال أن جزء من عمله أن يكون الحاكم.   في هذا لا يخيب أملنا، حيث أن عدداً كبيراً من فقرات العهد القديم تتحدث عن مُلك المسيا10.

شاهدنا أيضاً من المزمور 110 أن المسيا هو الكاهن. ومع ذلك، هناك عدد قليل من الفقرات تتحدث صراحة عن نشاطه الكهنوتي.   بالإضافة إلى المزمور 110، لا يوجد سوى الإعلان المُعقد نوعا ما المُعطى في زكريا 6 : 12-15.  كان النبي زكريا، على ما يبدو يقوم بتمثيل حكاية رمزية بحسب تعليمات الله له، و ذلك بأن يقوم بصنع تاج من الذهب والفضة من مساهمات المسبيين اليهود.  و يضعه على رأس يهوشع رئيس الكهنة.   متحدثاً عن شخص يُدعى "الغصن"، يقول زكريا:

هُوَذَا الرَّجُلُ "الْغُصْنُ" اسْمُهُ. وَمِنْ مَكَانِهِ يَنْبُتُ وَيَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ.‏ فَهُوَ يَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ، وَهُوَ يَحْمِلُ الْجَلاَلَ وَيَجْلِسُ وَيَتَسَلَّطُ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَيَكُونُ كَاهِنًا عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَتَكُونُ مَشُورَةُ السَّلاَمِ بَيْنَهُمَا كِلَيْهِمَا.‏ (زكريا 6: 12-13)

و كون أن المقصود أن يهوشع هو الغصن، يبدو غير ممكناً، لأن زكريا بعد ذلك يرفع التاج و يضعه في الهيكل كتذكار.   هذا ما يؤكده زكريا  3: 8، حيث يقول النبي:" فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالُ آيَةٍ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي "الْغُصْنِ".

وإن كانت هناك مقاطع قليلة تم تصوير المسيا فيها بوصفه الكاهن، إلا أن هناك عدداً من النبوات التي تصف شخص ما الذي سيتألم، و أن معاناته ستحقق نتائج غير عادية.   المزمور 22، على سبيل المثال، يقوم بتصوير لشخص يعاني الموت و لكن بعد ذلك يخلص.  إن قصة ما حدث يجب أن تنتشر في جميع أنحاء العالم وصولاً إلى الأجيال المقبلة.   يتحدث إشعياء 53 عن المتألم المُحتقر الذي يحمل خطايا الآخرين إلى قبره.   بعد ذلك يَخلٌص و يتعالى بشكل يدهش الملوك. زكريا 12 : 10 حتى 13 : 9  يصور شخص مطعون. نتيجة لذلك، فإن إسرائيل سوف يحزن ثم يتطهر من الخطيئة.   و في الأدب الرباني القديم يٌفهم أن كل هذه الفقرات تشير إلى المسيا11.    في الواقع، في رأي من الآراء الربانية المبكرة، يُدعى المسيا "المعلم الأبرص"، كما هو مكتوب، "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا (بالبرص) مَضْرُوبًا مِنَ اللهِ وَمَذْلُولاً.‏" (أشعياء 53 :4)12

بداية من القرن الثاني الميلادي، مع ذلك، صار النموذج الرباني يشمل اثنين من المسيا.   ليس ملك وكاهن كما في نموذج قمران، ولكن ملك و قائد/ جنرال.   دُعي الجنرال "المسيا بن يوسف'' أو "المسيا بن إفرايم''.  و من المقرر أن يظهر في نهاية العصر قبل مجيء المسيا الملك، المدعو "المسيا بن داود''.  سيقود عودة إسرائيل إلى فلسطين، و إقامة حكومة و عبادة الهيكل، و لكن سيتألم ثم يموت في معركة ضد أعداء إسرائيل من الأمم13.    المقاطع الخاصة بالآلام من نبوة العهد القديم المسيانية تم تعيينها على أنها تخصه و لا تخص المسيا الملك. على النقيض من هذا النموذج الرباني، يطبق العهد الجديد كل النبوات الخاصة بالمعاناة و الملك على شخص واحد، يسوع الناصري.   يرتبط إشعياء 53 به حوالي أربعين مرة، و مزمور 22 حوالي 25 مرة.   و يتم تطبيق زكريا 12 : 10 على يسوع مرتين، في يوحنا 19 : 37 و رؤيا 1 : 7.

من هو على حق؟ من الجدير بالذكر أن زكريا 12: 10، "و هم سينظرون إلى الذي طعنوه" يتم تعيينها بشكل صريح على أنها تخص المسيا بن يوسف و ذلك بواسطة الرابيين14.   و لكن ما لم يطبق الواحد كلمة "هم" المذكورة أولاً بصورة تعسفية على إسرائيل والثانية في كلمة طعنوه على الأمم (و التي لا يوجد أي دعم لها في السياق)، فإنه يبدو و كأن "المطعون" قد جُرح بواسطة إسرائيل! و هذا لا يتناسب مع الصورة الربانية للمسيا بن يوسف (المقتول على يد الغزاة الوثنيين)، ولكن من المؤكد أنه يناسب نموذج العهد الجديد.

وبالمثل، فإن إشعياء 53 : 10، الذي يجعل فيها الله حياة المتألم "ذبيحة إثم"، يعتبر نموذج يناسب العهد الجديد بشكل لطيف، و الرسالة إلى العبرانيين تقدم يسوع كذبيحة و كذلك ككاهن.   لكن يُعتبر كل الجانب الذبائحي هذا، الذي هو سمة أساسية من سمات مسيحية العهد الجديد، مفقود في شخصية المسيا بن يوسف و النظرة الربانية بصفة عامة.

 

مجيء المسيا/المسيح

دعونا ننظر موضوع المسيا  الآتي، ليس متى سيأتي؟ (موضوع الفصل التالي) و لكن كيف هو آت؟. على الرغم من الأسئلة، مثل "هل سيأتي كطفل أم كشخص بالغ؟'' و "هل سيأتي علناً أم سراً؟'' تحظى باهتمام كبير، لكن اسمحوا لنا أن نحد المزيد من المناقشات لنرى جانب آخر، و هو "هل مجيء المسيا سيكون للتمجيد أم للهوان؟''

بطبيعة الحال ، لأن المسيا ملك مرسل من الله، فيمكن للمرء أن يتوقع أن تكون عودته مجيدة.  هذه هي الصورة التي نحصل عليها من دانيال 7: 13-14 :

كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إنسان أَتَى وَجَاءَ إلى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ.‏ فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ.

وبالتالي فإن الشخص الذي يتلقى مملكة عالمية، أبدية هو آت "على سحب السماء"،  و هو شيء من قبيل مجد الشاكيناه  في جبل سيناء، و التيه في البرية و الهيكل.15

من ناحية أخرى ، يعرض لنا زكريا 9 : 9 مجيء متواضع :

اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ، اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ.‏

وفقا للنموذج الرباني المذكور أعلاه، يمكن للواحد جعل مثل هذه الآية، و ما فيها من ذكر لمجيء متواضع، تخص المسيا بن يوسف، و لكن دانيال 7 : 13-14، أعلاه، للمسيا بن داود.   ومع ذلك، المسيا بن يوسف ليس ملكاً (لأن المُلك أُعطي لنسل داود من سبط يهوذا)، ومع ذلك يسمى الراكب في زكريا 9 : 9 صراحة بالملك.   هكذا تضع هذه الآية مشكلة خطيرة أمام النموذج الرباني.

تم بذل محاولتين للتعامل مع هذه الصعوبة.   الأولى هو أن نرى زكريا 9 : 9 على أنه في الواقع مجيء متسامي/ مجيد.  عندما عرض الإمبراطور الفارسي شابور مازحاً تقديم حصان لليهود حتى أن مسياهم/ مسيحهم، لا يأتي على ظهر حمار، رد عليه الحاخام صمويل، "هل لديك حصان له مئة لون؟''16 لا يعني رد صموئيل هذا أن ركب المسيا لن يكون حيوان عادي، و لكن سيكون خارقاً للطبيعة. هذا الاقتراح، مع ذلك، يواجه مشكلة دعوة زكريا 9 : 9 لمجيء الملك على أنه "متواضع.''

أما المحاولة الأخرى فقد تم اقتراحها من قبل الحاخام يشوع17.    الذي اقترح أن دانيال 7 و زكريا 9 يصوران بدائل مختلفة، بدلاً من حدوث كليهما في الواقع على حد سواء.   إذا كانت إسرائيل تستحق، سيأتي المسيا "على سحاب السماء".  و إذا لم تكن،  قال أنه سيأتي "وديع و متواضع ركباً على حمار".

العهد الجديد، من الناحية الأخرى، يصور هذين المجيئين على أنهما حقيقيان ومتلاحقان: المسيا يأتي في المقام الأول في هوان و وتواضع، و يتألم ويموت عن خطايا شعبه، و في وقت لاحق، يعود في سلطان لخلاص شعبه، و يدين أعدائه و يملك إلى الأبد.  وهذا بالتأكيد يتناسب بشكل أفضل مع بيانات العهد القديم، لأنه لا توجد أي إشارة في السياقات أن دانيال 7 و زكريا 9 مجرد بدائل ممكنة.   في الواقع، العهد الجديد قادر على الربط بين المجيء المتواضع مع آلام المسيا (بينما الحاخامات لا يمكنهم فعل ذلك) فقط لأن المسيا المتألم هو نفس شخص الملك المقبل.   ولذا يمكن تسميته "الملك" من قبل النبي (زكريا 9 : 9)  حتى في مجيئه المتواضع.   هنا مرة أخرى، نرى تفوق نموذج العهد الجديد في التعامل مع مفارقات بيانات العهد القديم.

   

طبيعة المسيا/ المسيح

بعد الإطلاع على وظيفة، و عمل ومجيء المسيا، دعونا ننظر لطبيعته.   ما نوع كينونة المسيا؟

كما يُسمى في كثير من الأحيان المسيا بن داود، فإنه سيكون أكثر من الطبيعي أن نفترض أن المسيا مجرد إنسان بحت. يبدو أن هذا كان رأي بعض كتاب الأدب الرؤيوي18 و اليهودية الربانية اللاحقة، حيث تم التشديد على إنسانية المسيا، ربما كرد فعل للمسيحية، و إهمال أية ميزات فوق طبيعية.   و هكذا عندما اقترح الرابي/ الحاخام أكيبا (القرن الثاني بعد الميلاد) أن أحد العروش المذكورة في دانيال 7 : 9 ينبغي أن يكون لله و الآخر لداود (اسم للمسيا)، تم توبيخه بلهجة شديدة من قبل الرابي/ الحاخام خوسيه في الجليل: "أكيبا، إلى أي مدى ستعامل الحضور الإلهي بتجديف و امتهان! بدلاً من ذلك، فإن المقصود هو عرش للعدالة و آخر للنعمة."19  و لا حتى المسيا كان ليوضع على مقربة إلى الله من هذا القبيل!

رأى كاتب آخر من كتاب الأدب الرؤيوي، مع ذلك، أن المسيا أكثر من مجرد إنسان.   على سبيل المثال ، يقول كتاب صعود موسى عن ملك مسياني مُقبل :

ومن ثم يجب أن تظهر مملكته من خلال خليقته كلها.   ومن ثم تتعين نهاية الشيطان، و سيذهب الحزن بعيداً معه. عندئذ تمتلئ أيدي الملاك، الذي أُنشئ في الأعالي، الذي يقوم بالانتقام لهم من خصومهم.   لأن السماوي سيقوم عن عرش مملكته، و سيخرج من مسكن قدسه.20

هنا يبدو أن المسيا مُسمى "الملاك'' وبالمثل، في كتاب أخنوخ، في إشارة إلى فقرة دانيال 7 :

وثم رأيت قديم الأيام، وكان رأسه أبيض مثل الصوف، و كان معه شخص آخر طلعته شبه إنسان، وجهه كان مليئاً من النعمة، مثل واحد من الملائكة المقدسين.21

وهكذا رأى بعض كتاب الأدب الرؤيوي المسيا  كملاك أو كمزيج من إنسان و ملاك.

يصور العهد الجديد المسيح كإنسان، بالطبع، لكن أيضاً أكثر بكثير من إنسان.   مع عقيدة الولادة من عذراء، العهد الجديد يتجاوز حتى النماذج الرؤيوية للمسيا الملائكي.   يبدو نموذج العهد الجديد فريداً من نوعه في تصوير المسيا/ المسيح كإله.

ولكن في الحقيقة، العهد الجديد ليس فريداً في هذه النقطة. لأن بيانات العهد القديم تتضمن مقاطع تتخذ نمط العهد الجديد! على سبيل المثال، ميخا 5 : 2 يقول :

أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إسرائيل، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ.

على الرغم من أن هذا المقطع لا يبرهن على لاهوت المسيح، إلا أنه يستلزم سبق وجوده.   سيكون هذا الشخص فعال لفترة طويلة جدا (في العبرية توجد فترة إما محدودة أو بلا حدود)، إلا أنه من المتوقع أن يأتي في قرية يهوذا، بيت لحم، حيث مسقط رأسه. و يبدو أن المسيا كان سيولد و مع ذلك كان موجود قبل ولادته بوقت طويل.   بعض الحاخامات، لتجنب هذه النتيجة، صوروا المسيا،  بعد ولادته في بيت لحم، منتظراً متخفياً  لقرون حتى تصبح إسرائيل مستحقه لمجيئه، والقيام في الوقت نفسه بأعمال صالحه بتضميد البرص على أبواب روما!22

و كون أن المسيا هو كلا من ابن داود و سابق الوجود على حد سواء ينظر أحياناً في الأدب الرؤيوي،23 و ذلك ربما بسبب فقرات العهد القديم من هذا القبيل.   لكن لأن لا أحد يعرف كيفية التوفيق بين الفكرتين، فلم يتم التأكيد عليها مثلما حدث في العهد الجديد.

فقرة أخرى من هذا القبيل و هي إشعياء 9 : 6 :

لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ.

في الآية التالية يجعل من الواضح أن هذا الشخص هو المسيا، لأنه سيملك إلى الأبد على عرش داود.

كون هذا الشخص سيُولد هو أمر أكثر وضوحاً هنا مما في ميخا 5 : 2، و كذلك أيضاً إلوهيته. على الرغم من المحاولات المضنية التي بُذلت لإضعاف الألقاب التي أُعطيت لهذا الشخص،24 إلا أن ربط لقبه "و لا يكون لملكه نهاية" مع "سبق وجوده" تتناسب تماما مع كيان هو الله و إنسان على حد سواء.

إن نموذج العهد الجديد هذا، الذي يضم كلا من الإلوهية و الإنسانية في شخص واحد، يفسر لنا أيضاً بعض المشاكل الأخرى المحيرة: (1) كيف أن المتألم في إشعياء 53 يستطيع حمل خطايا كثيرين، (2) كيف يمكن تلقيب الملك مز 45 : 6 بالله، (3) كيف يتم تسمية الكاهن الملك في مزمور 110 "الرب" من قبل داود أبيه، و  (4) لماذا موت و قيامة المتألم في مزمور 22 و إشعياء 53 مهمان جداً على حد سواء لإسرائيل و للأمم الوثنية.   هذه تعتبر أسرار في النماذج المسيانية الأخرى.

 

استنتاجات

في هذا الفصل، رأينا تفوق نموذج العهد الجديد عن المسيا على منافسيه في التناسب مع بعض الإشارات المتناقضة في العهد القديم بشأن وظيفته، و عمله، و مجيئه و طبيعته.   لا يشير هذا فقط إلى أن الله في العهد القديم هو الذي يتحكم في التاريخ و يعلن "النهاية منذ البداية"، و لكن أيضاً أن العهد الجديد و المسيا الذي يذكره هو استمرار و تحقيق لإعلان الله للبشرية.

إن هذا الجدال أيضاً مهم لأنه يضغط علينا للقيام باختيار دون الانتظار حتى يتم "تحقيق جميع البيانات".  لا ينبغي أن نفاجأ بأن هذا هو الحال، على سبيل المثال نحن مضطرون للقيام بذلك في معظم القرارات التي لدينا في الحياة اليومية.   أي نظرية علمية، في الواقع، تستند على استنتاج من كافة البيانات.   نحن نواجه الآن إجابة الكتاب المقدس على أسئلة الحياة الحاسمة، مع مطالب الله منا، و مع عدم رغبتنا وعدم قدرتنا على طاعته بشكل مرضي.

هناك نقطة أخرى لتفوق نموذج العهد الجديد عن المسيا.   خلافا للنماذج الأخرى، فإنه يقدم أيضاً شخصية تاريخية فعلية كمرشح ليكون المسيا ألا و هو يسوع الناصري.   فإن معظم المؤرخين يقرون بأن يسوع هذا كان له أثر عظيم في التاريخ أكثر من أي رجل عاش على الإطلاق.   و مع ذلك، نموذج العهد الجديد هذا تم وضعه كتفسير يسوع نفسه عن شخصه و عمله، و ليس فقط تقييم القرون اللاحقة.

أخيراً، كُتب العهد الجديد، في حياة أناس شاهدوا خدمة يسوع شخصياً، و أقروا بأنه قام من بين الأموات، وأنه أظهر نفسه حياً لمئات من الرجال والنساء الذين فضلوا الموت، في وقت لاحق، بدلاً من إنكار شهادتهم، و أنه صعد إلى السماء في انتظار مجيئه الثاني.

يا ليتنا لا ننتظر عودته بل نرجع له في توبة، و ثقة، بحيث أن آلامه منذ 2000 سنة تمنع معاناتنا إلى الأبد.

  

 

 

 

 

 

المراجع

1.     تم العثور على الترجمات الإنجليزية لمعظم هذه الأعمال في طبعة ر. هـ. تشارلز، كتب الأبوكريفا و الكتب المزيفة (السودإبيجرافيا) الخاصة بالعهد القديم، مجلدين. (أكسفورد: مطبعة كلاريندون، سنة 1910) و في طبعة جيمس هـ تشارلزورث، الكتب المزيفة (السودإبيجرافيا) الخاصة بالعهد القديم، مجلدين. (جاردن سيتي: دووبلدي، 1983-1985).

2.     من بين العديد من المناقشات حول لفائف البحر الميت، انظر ف. م. كروس، دورية، المكتبة القديمة لقمران والدراسات الكتابية الحديثة، الطبعة الثانية (جاردن سيتي: دووبلدي، 1961)؛ و وليام س. لاسور، مخطوطات البحر الميت والعهد الجديد (جراند رابيدز: ادرمانز، 1972)؛ و ج. فيرميس، مخطوطات البحر الميت باللغة الإنجليزية (بالتيمور: بنجوين، 1968).   يقدم فيرميس أيضاً ترجمات للكتابات الخاصة بجماعة قمران.

3.     الترجمة الإنجليزية القياسية هي طبعة إيزيدور إبشتين، التلمود البابلي، 35 مجلد (لندن: سونسينو، 1935 1952). للحصول على المساعدة في استكشاف هذه المجموعة الواسعة، أقترح عمل هيرمان ل. ستراك، مدخل إلى التلمود و المدراش (نيويورك: أثينيوم، 1969 طبعة معادة) و عمل أ. كوهين، تلمود كل إنسان (نيويورك: شوكن، 1978 طبعة معادة).

4.     المناقشة المناسبة لفقرات العهد القديم و المفهومة من قبل الحاخامات على أنها نبوات عن المسيا مقدمة من قبل ألفريد إدريشيم، حياة و أوقات يسوع المسيح، مجلدان، الطبعة الثالثة. (جراند رابيدز: إدرمانز، 1967، طبعة معادة)، المجلد 2: التذييل التاسع.

5.     دليل التلمذة 9 :10.

6.     انظر للمناقشة في عمل ميلار بيروز، مزيدا من الضوء حول مخطوطات البحر الميت (نيويورك: فايكنج، 1958)، ص 297-299، و في عمل فرميس، مخطوطات البحر الميت باللغة الإنجليزية، ص 48-49.

7.     التلمود:  ليفي 18 : 16.

8.     التلمود:  يهوذا 24 : 9.

9.     إدريشيم، حياة و أوقات يسوع المسيح، 2 : 720-721؛ نلاحظ أيضاً إشارة يسوع للفريسيين في مت 23 : 41-46.

10.    انظر المناقشة في إدريشيم، حياة و أوقات يسوع المسيح، 2: 710-737.  مزمور 45، أشعياء 9 و دانيال 7 لها أهمية خاصة.

11.    فيما يخص مزمور 22، انظر إدريشيم، حياة و أوقات يسوع المسيح، 2 : 718؛ و فيما يخص أشعياء 53، المرجع نفسه، ص 727؛