Interdisciplinary Biblical Research Institute

 

زمان المسيا/المسيح

روبرت س. نيومان

معهد اللاهوت الكتابي

هاتفيلد، بنسلفانيا

حقوق الطبع و النشر 1981، 1988 لـ روبرت نيومان. جميع الحقوق محفوظة.

 

ملخص

تشير المصادر التاريخية من القرنين الأول و الثاني بعد الميلاد إلى أنه كان هناك وقتاً متوقعاً أن يظهر فيه المسيح تحقيقاً لبعض نبوات العهد القديم، ربما دانيال 9 : 24-27.  و طريقة الحساب الكلاسيكي للسير روبرت أندرسون تواجه بعض الصعوبات الخطيرة، و لكن يمكن حل هذه الصعوبات من خلال إعتبار "الأسابيع" في هذه النبوة هى دورة السبع سنوات لإستخدام الأراضي في العهد القديم. و تشير نتيجة هذا الحساب إلى يسوع كتحقيق لهذه النبوة.

 

ملاحظة من المحرر

على الرغم من إتفاق الكاتب مع البيان العقائدي لمعهد بحوث الكتاب المقدس القائمة على تخصصات عديدة (IBRI)، إلا أن هذا لا يعني أن جميع وجهات النظر التي اعتنقها الكاتب في هذه المقالة تمثل المواقف الرسمية للمعهد. و حيث أن إحدى أهداف سلسلة التقارير التي ينشرها معهد IBRI، هو أن تكون بمثابة منتدى للمناقشة قبل الطباعة، لذلك فمن المحتمل أن يكون الكاتب قد نقح بعض جوانب هذه المقالة وقام ببعض التعديلات فيها، منذ أن قام بكتابتها لأول مرة.

رقم الكتاب القياسي الدولي (ISBN): 0-944788-09-2


 

 

 

تقديم

كان القرن الأول الميلادي، بحسب المؤرخين القدماء، فترة زمنية لأحداث غير طبيعية ستقع بين اليهود. فقد كان الشعور سائداً بأن بعض النبوات التي تخص وقت مجيئ المسيا كانت على وشك الإنتهاء.ويقول المؤرخ الروماني سوتونيوس (أوائل القرن الثاني) عن تمرد اليهود ضد روما (66-73 م):

و قد انتشر هناك في كل أنحاء المشرق إعتقاد قديم و راسخ، أنه في ذلك الحين كان مقدراً أن رجلاً قادماً من اليهودية يحكم العالم. أخذ اليهود هذه النبوءة، والتي تشير إلى إمبراطور روما، كما يبدو من الحدث فيما بعد، و طبقوها على أنفسهم.1

يتحدث تاسيتوس المعاصر لسوتونيوس أيضاً عن هذه النبوة، مقدماً مزيد من المعلومات حول مصدرها:

... و في الغالب كان هناك قناعة راسخة أن السجلات القديمة لكهنتهم كانت تتضمن التنبؤ عن الطريقة التي يتنامى بها الشرق في القوة في هذا الوقت بالذات، و كان الحكام، القادمين من اليهودية، سيكتسبوا إمبراطورية عالمية. و أشارت هذه النبوءات السرية إلى فيسبسيان و تيطس، و لكن عامة الناس، بسبب عمى الطموح المعتاد، كانوا يفسرون هذه المصائر العظيمة لأنفسهم، و للأسف فلم يمكن حتى للكوارث أن تجعلهم يؤمنوا بالحق.2

و كان المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس أقرب إلى المشهد، وهو الذي كتب في أقل من عشر سنوات بعد سقوط أورشليم عام 70 م. و كتب يوسيفوس قبل أن يملك تيطس بعد فيسباسيان والده كإمبراطور، وهو يشير فقط لحاكم واحد متوقع:

لكن الآن، كان ما شجع الغالبية عليه القيام بهذه الحرب عبارة عن وحي ملتبس غامض و الذي تم العثور عليه أيضاً في كتاباتهم المقدسة، عن كيف أن "في ذلك الوقت، سيكون واحداً من بلادهم حاكماً على المسكونة" و أخذ اليهود هذا التوقع على أنه لأنفسهم على وجه الخصوص؛ و إنخدع بذلك كثير من الحكماء في تصميمهم. والآن صار من الواضح أن هذا الوحي بالتأكيد يشير لحكم فيسباسيان الذي عُين إمبراطوراً في اليهودية.3

و يعتبر تطبيق يوسيفوس للنبوءة على فيسباسيان سيده مفهوماً، و لكن المشكوك فيه هو ما إذا وافق زملائه اليهود أم لا! على أي حال، كان هناك عدد كبير منهم على إستعداد لإتباع ابن كوكبة في ثورة كارثية أخرى فقط بعد ذلك بستين عاماً، عندما أعلنه الحاخام أكيبا على أنه المسيا.4

و مع ذلك، وبحلول منتصف القرن الثالث، بدأت هناك نوبة من الإستسلام في صفوف اليهود. فقد اعترف الباحث راب أن "جميع المواعيد المحددة قد انقضت.'' و فسر أن التأخير الظاهري للمسيا، بإقتراحه، أن مجيء المسيا الآن ينتظر توبة إسرائيل و الأعمال الصالحة.5

لذلك، تشير المصادر القديمة، اليهودية والوثنية على حد سواء، أن نبوة العهد القديم تتنبأ بوقت لمجيء المسيا، و هو الذي انتهى في القرن الأول الميلادي. فما هى الفقرة أو الفقرات النبوية التي يضعونها  في عين الإعتبار؟ هذه المصادر لا تخبرنا، و لكن من الأوقات المبكرة إعتقد المسيحيون أن دانيال 9: 24-27 تقدم لنا مجرد مثل هذا التنبؤ:6

(٢٤) سبعون أسبوعا قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا، ولكفارة الإثم، وليؤتى بالبر الأبدي، ولختم الرؤيا والنبوة، ولمسح قدوس القدوسين.‏

(٢٥) فاعلم و افهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً، يعود و يبنى سوق و خليج في ضيق الأزمنة.

(٢٦) وبعد إثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له، وشعب رئيس آت يخرب المدينة والقدس، وانتهاؤه بغمارة، وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها.

(٢٧) ويثبت عهداً مع كثيرين في أسبوع واحد، وفي وسط الإسبوع يبطل الذبيحة والتقدمة، وعلى جناح الأرجاس مخرب حتى يتم ويصب المقضي على المخرب". 

 

حسابات السير روبرت أندرسون

هناك خلاف كبير في صفوف المسيحيين فيما يتعلق بكيفية تحقق تفاصيل هذه الفقرة في مجيء يسوع.7 ففي الوقت الحالي يعتبر التفسير الأكثر شعبية لهذا النص هو الذي تم تقديمه من قبل السير روبرت أندرسون.8 فهو  يحدد بدقة نهاية "التسعة و ستون إسبوعاً" بمجيء المسيا، يوم الأحد، 6 أبريل سنة 32 م، مدعياً أن هذا اليوم كان اليوم ذاته لدخول يسوع الناصري إلى أورشليم.9

و بإختصار، فإن أندرسون يحدد الأمر "بتجديد  أورشليم و بنائها" (دانيال 9: 25)  بالسماح الذي تم تقديمه لنحميا من الملك الفارسي أرتحشستا الأول (نحميا 2 : 6) لإعادة بناء المدينة. ويخبرنا الكتاب المقدس في نحميا 2 : 1 أن هذا وقع في شهر نيسان من العام العشرين للملك. وعلى إفتراض أن هذا الأمر خرج من فم الملك في اليوم الأول من الشهر، فإن أندرسون يحدد نقطة البداية في 15 مارس، سنة 445 قبل الميلاد.

و حيث أن المسيا يتم قطعه بعد التسعة و ستون "سبعات" الأولى (7 + 62)، لذا يتعين علينا أن نكون قادرين على حساب متى من شأن هذا أن يحدث. والواقع أن جميع المعلقين، المحافظين أو الليبراليين، يتفقون على أن "السبعات'' (غالباً ما تترجم "أسابيع'') الموجودة في النبوة هي فترات من سبع سنوات. فإذا ما كان الأمر كذلك، فإن 483 سنة (69 7) بعد 15 مارس من سنة 445 قبل الميلاد تأخذنا إلى 15 مارس من سنة 39 م، بعد عدة سنوات من نهاية خدمة يسوع العامة.

و لذلك، فإن أندرسون يفترض أنه يتم إستخدام نوع خاص من السنوات في النبوءة، والذي يسميها السنة "النبوية''، و التي تتكون من 360 يوماً فقط ، بدلاً من سنتنا الشمسية المكونة من 365 و 1/4 يوم.10 و يستند هذا الإفتراض على رؤيا 11 : 23، حيث يعادل أندرسون مدة الـ 42 شهراً مع فترة الـ 1260 يوماً، و هذه تكون متساوية تماماُ إذا كان كل شهر عبارة عن 30 يوماً، و اثني عشر شهراً من هذا القبيل ستكون 360 يوماً. مع هذا التعديل، يحول أندرسون من السنوات الشمسية للسنوات النبوية، و يجد نهاية الأسبوع الـ 69 في 6 أبريل، من سنة 32م.

و للأسف، فإن رأي أندرسون يواجه بعض المشاكل الخطيرة. بادئ ذي بدء، فقد اختار أندرسون اعتباطياً اليوم الأول من شهر نيسان كنقطة بداية له.11 على الرغم من أن الكتاب المقدس يقدم فقط الشهر، و ليس اليوم. ولكن إذا بدأ أندرسون حتى بعد ذلك بإسبوع، فالإسبوع الـ 69 سينتهي بعد الصلب.

ثانياً، تستند معادلة أندرسون لليوم الأول من نيسان مع 15 مارس من سنة 445 قبل الميلاد، على الحسابات الفلكية الحديثة. لكن ليس من الممكن بهذه المعلومات تحديد بداية هذه الشهور القديمة بدقة تامة. فاليوم الأول من الشهر لا يتوقف فقط على موقع الشمس و القمر و النجوم في العصور القديمة (والتي يمكن لعلماء الفلك الحديث حسابها)، و لكن يتوقف أيضاً على ملاحظات هذه الأجرام (التي تعتمد على الأحوال الجوية) من قبل القدماء و التي بها وضعوا قراراتهم فيما يتعلق بوقت بداية عام جديد أو شهر جديد. لهذا فنحن بحاجة لمعلومات تاريخية فضلاً عن المعلومات الفلكية. و  بالتالي فإن هناك بعض الشكوك حول نقطة انطلاق أندرسون.

ثالثاً، استخدم أندرسون "السنة النبوية" ذات الـ360 يوماً لقياس طول الفترة، ولكن العهد القديم يربط عيد الفصح، في منتصف نيسان، بتقدمة حزمة أول حصاد الحبوب (لاويين 23 : 6 -14)، حتى يتسنى للتقويم اليهودي أن يظل متزامناً مع المواسم. يشير كل من علم الآثار و المؤلفات الحاخامية إلى أنه تم إنجاز هذا التزامن بإضافة شهر قمري إضافي كل سنتين أو ثلاث سنوات إلى السنة "القمرية" ذات الـ354 يوماً12 حتى يكون، في المدى البعيد، متوسط ​​طول السنة اليهودية متماشياً مع سنتنا الشمسية ذات الـ 365 و 1/4 يوم.

و لا حتى رؤيا 11 : 2-3 تتطلب "السنة النبوية'' ذات الـ360 يوماً.لا تقول هذه الفقرة أن الأمم سيدوسوا المدينة المقدسة تحت الأقدام لمدة 42 شهراً إلى اليوم. و بإستخدام أشهر و سنوات عالمنا المعاصر، (تقريباً نفس المستخدمة في روما عندما تمت كتابة سفر الرؤيا)، تكون فترة الـ 1260 يوماً عبارة عن حوالي 41 شهراً و نصف الشهر، و التي قد يكون من السهل تقريبها إلى 42. و بإستخدام الأشهر القمرية العبرية التي في المتوسط تعتبر​ 29 يوماً و نصف اليوم، فتكون فترة الـ1260 يوم عبارة عن أكثر من 42 شهراً و نصف الشهر. وهكذا فإن فترة الـ42 شهراً، و الـ1260 يوماً قد تكون تقريباً متساوية بدلاً من أن تكون متساوية تماماً. و ليس هناك سبب للإعتقاد بأن الكتاب المقدس يعرف نوعاً ما من "السنوات النبوية'' له طول خاص.

و هناك أيضا بعض التساؤلات عما إذا حدث صلب يسوع في سنة 32 م. تتراوح الإقتراحات بين سنة 29-33 م، مع الإجماع في الوقت الحاضر لصالح سنة 30 م.13 و حتى في ضوء تحديد السنة بالضبط، و تحديد تاريخ عيد الفصح (و "أحد الشعانين'' قبل ذلك) فإن هذا ينطوي على نفس مشكلة الجمع بين الحسابات الفلكية الحديثة و تحديدات التقويم القديم المذكورة أعلاه. وعلى هذا فهناك مشاكل خطيرة في إعتبار 6 أبريل 32 م لدخول يسوع الناصري إلى أورشليم.

حتى الآن وعلى الرغم من هذه الإعتراضات، إلا أنه يمكن تقديم حجج جيدة لبرهنة تحقق واقعي لهذه النبوءة، على الرغم من أن النتيجة ليست مذهلة للغاية مثل التي لأندرسون. بالإضافة إلى ذلك، هذا الإقتراح البديل، الذي نقدمه هنا،14 ينشأ بشكل أكثر طبيعية من سياق الفقرة.

 

سياق نبوءة السبعين أسبوعاً

و لفهم نبوءة السبعين "أسبوعاً" هذه، فلنلقي نظرة على سياقها. فالنبوءة نفسها، دانيال 9: 24-27، قد أُعطيت للنبي كإستجابة لصلاته المسجلة في دانيال 9 : 4-19. ونجد مناسبة الصلاة في الآيات واحد و اثنين من نفس الأصحاح. فلقد فهم دانيال للتو من "الكتب'' أن خراب أورشليم سيدوم سبعين سنة فقط. و يبدو أن الوقت قد انقضى تقريباً، حتى أنه يصلي الآن لكي يتم تحقيق وعد الله.

ما هى هذه "الكتب"؟ من الواضح أن  سفر نبوات إرميا واحداً منها، حيث أن أرميا مذكور بالإسم، ولكن أي كتاب آخر أو كتب أخرى يتضمنها أيضاً؟ أخبار الأيام الثاني يذكر أيضاً سبي السبعين سنة (36 : 21)، و لكن نظراً لأنه يستمر ليصف مرسوم كورش الذي سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين، فإنه لم يكن قد كُتب عندما قدم دانيال صلاته. ومع ذلك، فإن كاتب سفر أخبار الأيام الثاني يفسر طول فترة السبي على أنها سبعون سنة كتعويض عن السبعين سنة السبتية التي عصى فيها اليهود وصية الله للسماح للأرض أن ترتاح من الزراعة.

توجد الوصية الخاصة بإقامة السنة السبتية في سفر الخروج 23 : 10-11 و اللاويين 25 : 3-7، 18-22. تقول فقرة سفر الخروج ما يلي: " وست سنين تزرع أرضك وتجمع غلتها،‏ وأما في السابعة فتريحها وتتركها ليأكل فقراء شعبك. وفضلتهم تأكلها وحوش البرية. كذلك تفعل بكرمك وزيتونك.‏"

وبالإضافة إلى هذه الفقرات التي تقوم بتأسيس السنة السبتية، فإن لاويين 26: 32-35 تتنبأ أن السبي سيأتي على إسرائيل اذا انتهكت تنظيم السنوات السبتية:

٣٢و أوحش الأرض فيستوحش منها أعداؤكم الساكنون فيها.‏ ٣٣وأذريكم بين الأمم، وأجرد وراءكم السيف فتصير أرضكم موحشة، ومدنكم تصير خربة.‏ ٣٤حينئذ تستوفي الأرض سبوتها كل أيام وحشتها وأنتم في أرض أعدائكم. حينئذ تسبت الأرض وتستوفي سبوتها.‏ ٣٥كل أيام وحشتها تسبت ما لم تسبته من سبوتكم في سكنكم عليها.‏

لعل، إذن، أن يكون سفر الخروج و سفر اللاويين هى الكتب الأخرى التي رجع إليها دانيال. وعلى الأقل توفر هذه الأسفار كل ما يلزم للوصول للإستنتاجات الواردة في سفر أخبار الأيام الثاني - أن طول فترة سبي إسرائيل ستقابل السنوات السبتية السبعين التي أهملوها. ربما كان دانيال يفكر في دورة استخدام الأراضي هذه التي عينها الله و فترة السبعين دورة التي عصى إسرائيل هذه الوصية خلالها. إذا كان الأمر كذلك، فإن الرسالة التي أتى بها الملاك له، " سبعون أسبوعا قضيت على شعبك...'' تبدو أقل غموضاً. ويبدو أن دانيال 9: 24-27 يستخدم مصطلح "سبعة'' (أو "أسبوع'') لدورة السنة السبتية للعهد القديم.15

 

تفسير دانيال 9: 25-26

في مناقشتنا، سننظر بالتفصيل فقط في مجيء المسيا، و هى فقط الـ 69 إسبوعاً من الـ70 إسبوعاً لدانيال. و بقدر ما يتعلق الأمر بالإسبوع السبعين، يرى البعض أن هذا تحقق مباشرةً بعد الإسبوع الـ69. و مع ذلك، تبدو الفقرة و كأنها تشير إلى وجود فجوة طولها غير محدد بين الأسابيع 69 و 70. و هكذا فإن تدمير القدس (الهيكل) المذكور في الآية 26 يتبعه بياناً موجزاً عن الحرب و الخراب حتى النهاية.  ثم تتحدث الآية 27 عن عهد الذي على ما يبدو يتقدم الأسبوع 70، و يليه إنقطاع الذبائح، و التي يبدو أنها تفترض مسبقاً وجود هيكل أُعيد بناؤه.   في وجهة النظر هذه، يكون الأسبوع 70 لا يزال في المستقبل، و ينتمي إلى فئة النبوات التي سوف تتحقق فيما بعد. على أي حال، هذا يتجاوز إهتمامنا هنا.

و لحساب وقت مجيء المسيا، يتعين علينا النظر في الآية 25 و جزء من الآية 26 من الأصحاح 9 من سفر دانيال.  تتشابه ترجمة الكتاب المقدس الأمريكية القياسية الجديدة (NASB) و النسخة الدولية الجديدة (NIV16 في الإشارة إلى مسيا واحد و الذي يأتي في نهاية 7 + 62 أسبوعا. و بعد أن قدمنا النص بحسب الـ NIVأعلاه، فها نحن هنا نذكر NASB:

لكي تعلم و تميز أنه من إصدار الأمر لإسترداد و إعادة بناء أورشليم إلى المسيا الأمير سيكون سبعة أسابيع و اثنان وستون أسبوعاً؛ سيتم بنائها من جديد مع سوق و خليج في ضيق الأزمنة.  و من ثم بعد اثنين وستين أسبوعا سيُقطع المسيا وليس له شيء.....

من ناحية أخرى، فإن النسخة القياسية المنقحة (RSV) تتسم كمجموعة من الترجمات17 التي فيها اثنين من "المسيا" أو "الممسوحين"، يأتي الواحد  بعد الـ 7 أسابيع، و الآخر يُقطع بعد 62 أسابيع إضافية:

إعلم إذن و إفهم أنه من إصدار الأمر لإستعادة و بناء أورشليم إلى مجيء مسيح، أمير، سيكون سبعة أسابيع. ثم لمدة اثنان وستون أسبوعا؛ سيتم بنائها من جديد مع سوق و خليج لكن في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين إسبوعاً سيُقطع مسيح و لن يكون له شيء.....

و تتبع ترجمة مجموعة الـ RSVالترقيم الماسوري للكتاب المقدس العبري، حيث تم إجراء تقسيم في المعنى ما بين سبعة أسابيع والأسابيع الـ62. 18 و لكن لا يعود الترقيم من هذا القبيل قبل القرن التاسع أو العاشر الميلادي.19 و يشرح هذا التسليم، مع ذلك، ذكر التركيبة الغريبة لـ7 و 62 بدلاً من ذكر المجموع 69.

و بالرغم من هذه المعطيات، فإن التوازي الموجود في الفقرة يحبذ البديل السابق. ففي اللغة العبرية، تتكون العبارة المترجمة "استعادة و إعادة بناء'' من نفس الزوج من الأفعال كما يتم ترجمتها "يتم بناءها من جديد'' في وقت لاحق في نفس الآية.  كذلك كلمة "المسيا'' يتم تكرارها.   و يمكن رسم هذا التوازي على النحو التالي:

من إصدار الأمر لبناء أورشليم من جديد

إلى المسيا الأمير، سيكون سبعة أسابيع و اثنان وستون أسبوعاً

و سيتم بناء سوق و خليج من جديد ...

و بعد اثنين وستين أسبوعا سيُقطع المسيا.

و يوحي هذا التوازي أن الفقرة مصاغة كبيان موجز من سطرين يذكر حدثين و فترتين زمنيتين، يليها سطران آخران يقدمان تفاصيل عن كل حدث على حدة. و بالتالي سيكون لدينا مسيا واحد أو مسيح واحد، و الذي يحدث مجيئه بعد 69 أسبوعا من نقطة البداية.  و لعل السبعة أسابيع الأولى، إذا كان يجوز لأحد أن يخاطر بالتخمين،20 تنطوي على إعادة البناء الفعلي للمدينة.

 

نقطة البداية

لقد قُدمت سلفاً اقتراحات شتى لنقطة البدء الصحيحة لفترة السبعين أسبوعاً: (1) كلمة الله في سقوط أورشليم (سنة 586 ق.م.؛ إرميا 25 : 11-12؛ 29 : 10)، (2) أمر كورش بالسماح للمسبيين بالعودة إلى أورشليم (537 ق.م.، أخبار الأيام الثاني 36 : 23؛ عزرا 1 : 2)، (3) إرسالية  أرتحشستا لعزرا (458 ق. م.؛ عزرا 4 :11-12، 23)، (4) إرسالية أرتحشستا لنحميا (445 ق. م.؛ نحميا 2 : 1-6).21 من بين هؤلاء الأربعة، فقط شرع الأخير بالفعل في إعادة بناء سور المدينة. وبهذا يجعل أورشليم محصنة، و أصبحت، بالتعابير القديمة، مرة أخرى مدينة و لم تعد مجرد قرية.

و لسوف نتابع هذا الخيار الرابع، و هو نفس المستخدم من قبل أندرسون. ترجع الآيات من نحميا 2 : 1 بهذا إلى السنة العشرين لأرتحشستا الأول، وهى سنة 445 ق.م. و كذلك فإن الدراسات الخاصة بالتسلسل الزمني منذ زمن أندرسون لم تقم بتغيير السنة، و إن كانت قد شككت في تاريخ الأول من نيسان.22

 

السنة السبتية

و الآن يتعين علينا أن نقوم بالحساب إلى الأمام من سنة 445 ق. م..وعلى عكس أندرسون، بيد أنه يجب علينا أن نستخدم الدورات السبتية الفعلية كوحدات قياس (بدلاً من مجرد إضافة 7 69 سنة إلى نقطة البداية)، لأن هذا يتناسب بشكل أفضل مع السياق.

إن همنا الأول هو تحديد موقع هذه الدورات في العصور القديمة إذا كان ذلك ممكناً، لأن هذا سيكون له بعض التأثير على تحديد نقطة النهاية. و تأتي الأدلة المعروفة لتحديد موقع الدورات السبتية في الفترة قيد النظر من سفر المكابيين الأول، و الذي يعتبر بمثابة مصدراً تاريخياً رئيسياً لعصر المكابيين.وهناك نجد أن مقاومة اليهود للسوريين ضعفت في وقت ما بسبب قلة الإمدادات الغذائية بسبب مراعاة السنة السبتية (مكابيين الأول 6: 49، 53-54). و تشير إشارة سابقة من هذا الاصحاح (6 : 20) إلى حدوث هذا في عام 150 من العصر السلوقي. و وفقاً لفينجان،23 فإن السنة الـ150 تكون إما 163/2 أو 162/1 ق. م.، و يتوقف هذا على ما إذا كان التقويم المقدوني أو التقويم البابلي هو قيد الإستخدام.

يتناسب أول هذه البدائل مع الدورة السبتية اليهودية الحديثة بشكل جيد جداً،24 فقد كانت السنة 164/3 يمكن أن تكون سنة سبتية، بحيث أن ظروف المجاعة كان يمكن أن تكون أكثر حدة في العام التالي قبل حصاد المحاصيل. و تستند هذه الدورة السبتية الحديثة على ما يبدو على أعمال ذوكرمان  في عام 1856. 25

في الآونة الأخيرة، بيد أن، بن صهيون واتشولدر  قد استعرض جميع البيانات التي تم تحديد السنوات السبتية بناءاً عليها، بالإضافة إلى معلومات إضافية لم تكن متاحة عندما قام ذوكرمان  بدراسته.26 و نتيجة لذلك، يجد أن الدورة الحديثة غير صحيحة بسنة واحدة، و إختار البديل الثاني المسموح به من المكابيين الأول. و بالتالي، تكون سنة 163/2 ق.م. هى السنة السبتية المقصودة.27

و سوف نتابع اقتراح واتشولدر للسنوات السبتية عند القيام بحساباتنا. فمن الممكن أن تكون حساباته للسنة السبتية غير دقيقة بمقدار سنة واحدة.

 

 

الحسابات

و باستخدام قائمة واتشولدر للسنوات السبتية،28 تكون حساباتنا بسيطة جداً. نقطة البداية لنا، شهر نيسان سنة 445 ق.م.، و هو يقع في دورة السبع سنوات 442-449ق.م.، و تعتبر فيها السنة الأخيرة، في الفترة من سبتمبر 443 إلى سبتمبر 442، بمثابة السنة السابعة أو السنة السبتية.29 و باستخدام أسلوب العد اليهودي الشامل و المعتاد، تكون الدورة 449-442 هى أول "أسبوع'' في نبوءة دانيال. و الأسبوع الثاني هو 442-435 ق.م.، وهلم جرا، وصولاً إلى الإنتقال من قبل الميلاد إلى بعد الميلاد، حيث لا بد أن نذكر أن 1 قبل الميلاد تتبعها على الفور سنة 1 ميلادية، مع عدم وجود سنة صفر بينهما (انظر الشكل 1).

شكل 1

و هكذا فإن دورة الإسبوع الـ69 بعد مرسوم أرتحشستا لنحميا بإعادة بناء أورشليم تكون من 28-35 م. نفس الوقت تماماً تم "قطع" يسوع الناصري في فلسطين حيث قال أنه مسيا الله! قد يفكر البعض أن دانيال يقول "بعد 62 أسبوعا سيتم قطع مسيا"، في حين من حساباتنا يكون الصلب قد حدث في الأسبوع 62 (الـ69، بإضافة السبعة الأولى). لكن هذا، أيضاً، من سمات اللغة التقليدية اليهودية و التي فيها كلمة "بعد'' تعني "بعد بداية." لنتذكر أن قيامة يسوع تم التحدث عنها على أنها حدثت "بعد ثلاثة أيام" (متي 27 : 63؛ مرقس 8: 31)، و كذلك "في اليوم الثالث" (متى 20 :19؛ مرقس 9 : 31) و حتى لو إتبعنا نظام ذوكرمان لتحديد موقع الدورة السبتية بدلاً من واتشولدر، تنتقل الدورة الـ69 فقط بسنة واحدة، إلى 27-34م.، و التي لا تزال صحيحة، على حد سواء. و على نحو مماثل وجود خطأ بسنة أو سنتين على حد سواء، للسنة الـ20 لأرتحشستا أو لتاريخ صلب يسوع، لن يغير من النتيجة. فالتنبؤ يناسب يسوع حتى بالسماح لأعلى عدد ممكن من عدم اليقين في التسلسل الزمني.

 

الخلاصة

هناك قوة حقيقية في نبوءة السبعين أسبوعاً هذه. و يُفضل سياق النبوءة إستخدام الدورات السبتية. و يعتبر العد الشامل ممارسة يهودية عادية. و يمكن لموقع الدورات السبتية و نقاط البداية و النهاية أن تكون على خطأ بسنة أو سنتين دون تغيير في النتيجة.

و تعتبر النتيجة ذاتها كبيرة إلى حد بعيد بالنسبة لتاريخ الفكر الإنساني. فبالإشارة إلى يسوع الناصري على مسافة قرون، فهى توجه ضربة قوية ضد الإعتقاد بأنه لا يُوجد تنبؤ حقيقي في التاريخ (مختلف أشكال الليبرالية الدينية)، و تدين رفض يسوع كالمسيا (سواء من قبل اليهودية و غيرها من الأديان غير المسيحية).

و من بين كل ما لدى اليهودية من مدعين بأنهم المسيا في أي وقت مضى، يعتبر يسوع هو الشخصية الوحيدة من الشخصيات البارزة تاريخياً و كمعلم أخلاقي (حتى لدى كثير من الملحدين) الذي قام فقط بخدمته العامة القصيرة و قد "قُطع" في الفترة 28-35 ميلادية!


  
 


 

المراجع

1. سوتونيوس، حياة القياصرة "فسبسيانوس المؤله" 4 : 5.

2. تاسيتوس، التواريخ، 5 : 13.

3. يوسيفوس، حروب اليهود، 6 : 5 : 4.

4. انظر، على سبيل المثال، جاك فينجان، ضوء من الماضي القديم، الطبعة الثانية. (برينستون: مطبعة جامعة برينستون، 1959)، ص 330.

5. التلمود البابلي، سنهدرين 97 ب.

6. بعض من أوائل المعلقين المسيحيين: إكليمنضس السكندري (حوالي سنة 200 م)، المتنوعات، 1 : 21؛ ترتليان (حوالي سنة 200 م)، الرد على اليهود، 8؛ اوريجانوس (حوالي سنة 225 م)، الأساسيات، 4 : 1 : 5.

7. انظر عدة بدائل في ج بارتون باين، موسوعة النبوات الكتابية، (نيويورك: هاربر و رو، 1973)، ص 383-389.

8. السير روبرت أندرسون، الملك الآتي ، الطبعه 10. (لندن: جيمس نيسبت، 1915؛ طبعة غراند رابيدز: كريجيل، 1957).

9. المرجع نفسه، ص 5-6.

10. المرجع نفسه، ص 72.

11. المرجع نفسه، ص 122.

12. جاك فينجان، الدليل الزمني للكتاب المقدس (برينستون: مطبعة جامعة برينستون، 1964)، الأجزاء 58-61.

13. المرجع نفسه، الأجزاء 454-468.

14. تنقيح روبرت س نيومان، " أسابيع دانيال السبعين و دورات السنوات السبتية في العهد القديم" مجلة الجمعية الإنجيلية اللاهوتية 16 (1973): 229-234.

15. عرضاً، ملاحظة من قبل الحاخامات ايضا توضح مجيء المسيا بفترة سبع سنوات. التلمود البابلي، السنهدرين 97 أ.

16. و كذلك في نسخة الملك جيمس، و طبعة بيركلي، و الكتاب المقدس المضخم، الكتاب المقدس الحي، و النسخة القياسية الأمريكية و الكتاب المقدس نسخة اورشليم.

17. بما في ذلك ترجمة جمعية النشر اليهودية، و الكتاب المقدس الجديد باللغة الانجليزية، و ترجمات سميث جودسبيد و موفات، و الكتاب المقدس الأميركي الجديد.

18. انظر، على سبيل المثال، ك اليجر و و رودولف ، الكتاب المقدس العبري نسخة شتوتجارت، طبعه مصغرة (شتوتجارت: الجمعية الألمانية للكتاب المقدس، 1984)، ص 1404.

19. إرنست ورتوين، نص العهد القديم (أكسفورد: بلاكويل باسيل، 1957)، ص 19.

20. كما اُقترح في نسخة بيركلي. و تذكر ترجمة سميث جودسبيد و الترجمة الإنجليزية الجديدة للكتاب المقدس مثل هذا التفسير من بترجمة الآية 25 ب: "لاثنين وستين أسبوعاً يجب عليه البقاء وإعادة بناء / تبقى مرممة"، و لكن هذه الترجمات لفعل شوب العبري لا تجد أي أمر في المعاجم و تظهر مجرد مشكلة اعتماد الترقيم الماسوري.

21. انظر باين، موسوعة نبوات الكتاب المقدس، ص 383-386.

22. فينجان، التسلسل الزمني الكتابي، القسم 336.

23. المرجع نفسه، الأقسام 194-195.

24. الموسوعة اليهودية، 14:585.

25. بنديكت زوكرمان "عن دورات السنوات السبتية و فترة اليوبيل،" التقرير السنوي للمؤسسة اليهودية اللاهوتية مدرسة فرانكلشير (بريسلو، 1857).

26. بن صهيون وتشولدر، "الجدول الزمني لدورات السنوات السبتية خلال فترة الهيكل الثاني والفترة الربانية/الحخامية المبكرة" حولية كلية الاتحاد العبري 44 (1973): 153-196.

27. المرجع نفسه، ص 156، 163.

28. يرد الجدول الكامل من 519 قبل الميلاد الى 441 ميلادي في نهاية مقالة وتشولدر، المرجع نفسه، ص 185-196.

29. بيد أن السنة السبتية قد بدأت في الخريف، لاويين 25 :8-10.

 

كتب لـ IBRI

ص ب 423

هاتفيلد، بنسلفانيا 19440