IBRI Research Report #10 (1982)

كم من المعلومات و النظام يوجد في الكون؟

دايفيد ك بوسارد

لبنان، نيو هامبشير

حقوق الطبع 1982  لديفيد ك بوسارد. جميع الحقوق محفوظة

ملاحظة المحرر

على الرغم من إتفاق الكاتب مع البيان العقائدي لمعهد بحوث الكتاب المقدس القائمة على تخصصات عديدة (IBRI)، إلا أن هذا لا يعني أن جميع وجهات النظر التي دونها الكاتب في هذه المقالة تمثل المواقف الرسمية للمعهد. و حيث أن إحدى أهداف سلسلة التقارير التي ينشرها معهد IBRI، هو أن تكون بمثابة منتدى للمناقشة قبل الطباعة، لذلك فمن المحتمل أن يكون الكاتب قد نقح بعض جوانب هذه المقالة وقام ببعض التعديلات فيها، منذ أن قام بكتابتها لأول مرة.

ISBN 0-944788-10-6 


مقدمة

يعتقد المسيحيون أن خلق الكون يعرض عمل يد الله الخالق. فبصمات الله، الحرفي الماهر، تتغلغل في كل جزء من أجزاء العالم المادي والبيولوجي، من غير المرئي بالمجهر إلى التلسكوبي. كيف يمكن لشخص عاقل يرى هذه الأدلة و يظل مع كل ذلك متمسكاً بكل من الإلحاد أو اللاادرية أو الأغنوستية؟ و هل يعتبر عدم الإيمان هذا دليلاً على انحراف العقل البشري الذي خيم عليه خداع الذات؟ و هل هو مظهر من مظاهر الفساد المذكورة في رومية 1: 18-32؟ و هل البشرية تقمع الحق الواضح للحفاظ على كذبة؟ أو هل ينشأ عدم الإيمان عن شك أصيل بشأن الآثار المترتبة على الحقائق الملموسة؟ و هل الشكوك مبررة؟ و هل يمكن حل الشكوك بالنقاش المتأني؟

عندما كان يسوع على الأرض، كان يشفق على جموع الناس حوله، لأنهم كانوا كخراف بلا راع لها. اختلط معهم، وتحدث معهم بكلمات يمكن أن يفهموها، و ذلك باستخدام حوادث عامة منتقاة من الحياة للتوضيح لهؤلاء الناس و إقناعهم أنه هو الحق. لم تكن مقربته للناس مشروطة بأسئلة البراءة أو الذنب؛ فربما أكثر الجموع كانوا غير مؤمنين عمداً. و مع ذلك ذهب لهم يسوع و كلمهم على مستوى فهمهم. و يعتبر المفهوم الرومانسي أن الجموع في وقت المسيح كانوا ضحايا أبرياء لظلم زعماء دينيين و علمانيين قساة و غير مكترثين، هو ببساطة مفهوم خطأ. عندما دعاهم يسوع أنهم غنم بلا راع، لم يقل أغنام أبرياء. نحن نميل لإضافة هذه الصفة في عقولنا.

يبدو غريبا أن نتحدث عن التعاطف مع شخص ملحد و يعتنق اللاادرية بنفس الطريقة التي يمكن لأحد أن يتحدث عن التعاطف مع الجموع في أيام المسيح، و مع ذلك فإن الفرق بين جموع العصر الحالي المفكرين و جموع من القرن الاول في فلسطين ليس فرقاً في النوع بمجرد اختلاف في الدرجة (عذرا عن اللعب بالكلمات!). فهم ايضاً خراف بلا راع. و كما ذهب يسوع إلى خرافه و كلمهم على مستوى فهمهم، بالرحمة و إهتمام بمحبة، كذلك أيضاً فإن جموع المفكرين الآن بحاجة لرعاة يتلاقون معهم على مستواهم، بالرحمة و التعاطف.

كيف يمكن لمسيحي مناقشة عمل الله مع شخص عقلاني؟ توجد هنا نقطة واحدة واضحة، على ما يبدو، و هى استخدام اللغة و المنطق الذي يكون صديقه على دراية به.   لغة العلم منظمة جداً و منطقية.  إذا كان ذلك ممكنا، يحاول العلماء التعبير عن الحجج في شكل كمي.   هناك فرضيات أولية، و مقدمات منطقية، و قواعد الإستدلال. و يتوجب أن يكون المسيحي على دراية بهذه الامور، و يعرف شيئاً عن كلا من إحتمالالاتها و قيودها.

بشكل خاص، يجب على المسيحيين فهم القيود المفروضة على اللغة و محدوديتها.  واحدة من حقائق الحياة هو أن المنطق الاستنتاجي يصعب صياغته جداً (أو الانصات له)، و كمية الحجة اللازمة للتوصل إلى أي شيء خلاف الاستنتاجات الابسط تعتبر مفرطة. بمعنى أنه مثل استخدام لغة ذات عدد قليل من الكلمات للتعبير عن أي شيء ولكن يمكن لمعظم الأفكار المباشرة أن تكون صعبة بشكل شاق. و بسبب هذا القيد فإن العلماء و العقلانيين الآخرين نادراً ما يلتزموا بالمنطق الاستنتاجي.  إنه أكثر أهمية بكثير لنقل الأفكار مما هو عليه لاتباع قواعد المنطق الصارمة. ومع ذلك، كونه عالما، فإن اللغة لا تزال سليمة علمياً سواء كانت منطقية أو لا. يجب على المسيحي أن يفهم هذا: الحجة العلمية المنطقية ليست الحجة التي تبدو منطقية و علمية. مفتاح المناقشة في مثل هذه الحالات هو السعي للعثور على المقدمات المنطقية الكامنة وراء المناقشة، و تركيز الاهتمام على هذه المقدمات.

ومع كل هذا كمقدمة، كيف يمكن لمسيحي شرح إيمانه بخلق الكون لشخص غير مؤمن؟ مقاربة واحدة لهذا هى البحث عن سبل لتحديد ملاحظاته: إذا كان هناك علامات لخالق ماهر، فهل يمكن التعبير عن الدليل في شكل أرقام؟ و هل يمكن استخدام التفكير الرياضي و المنطقي لإثبات أن العالم لا يمكن أن يوجد في حالته الحالية كنتيجة لنشاط عشوائي طائش، دون الاعتراف بوجود خالق؟ و الميزة لاستخدام النهج العددي، ولا سيما إذا كان يستند على تقنيات رياضية صحيحة، هو أنه يمكنه أن يقود إلى تسلسل واضح للفكر الاستنباطي، الأمر الذي يساعد بشكل كبير في توضيح القضايا الحقيقية قيد المناقشة. و مرة أخرى فإن عيب هذا النهج هو مسألة محدودية اللغة - فمن المستحيل معالجة جميع القضايا الساخنة المتعلقة بالجدل حول الخلق بهذه الطريقة، لأن اللغة فقط ليست غنية بما فيه الكفاية.

و النهج المتبع هنا هو المضي قدما في مسألة الخلق كعمل ليد الله بمقابلة الفرضيات الخاصة بالهدف و الانتظام ضد تلك التي تنادي بالعمليات غير الموجهة العشوائية؛ و كيف تفسر كل منها العالم كما يبدو اليوم؟ و اللغة المناسبة لأغراض المناقشة هي رياضيات نظرية الاحتمالات ونظرية المعلومات. و بعد تقديم بعض الملاحظات الأولية على "قواعد نحو" هذه اللغات، سيتم فحص حجج بعض العلماء العلمانيين لمعرفة ما إذا كانت تتفق مع هذه اللغة، و كذلك لنرى كيف يواجه هؤلاء العلماء قضية عمل يد الله في الخلق من وجهات نظرهم العلمانية. و سيتم إيلاء اهتمام خاص للاكتشافات الحديثة في علم الأحياء المجهرية (الميكروبيولوجي) و الآثار المترتبة على هذه الاكتشافات المتعلقة بقضية عمل يد الله في الخلق. و أخيراً، سيتم تقديم بعض التعليقات الفلسفية على أساس الحقائق الرياضية الراسخة بشأن حدود النقاش العلمي و الآثار المترتبة على اللاهوت الدفاعي المسيحي.

 

لغة الاحتمالات و الأحداث العشوائية

نشأ علم الاحتمال بسبب الفكرة الغريبة التي تقول أنه حتى الأحداث العشوائية - النشاط غير الهادف - يبدو أن لها نظام معين خاص بها.   في تجربة عشوائية مكونة من رمي عملة 100 مرة، يتوقع المرء ظهور وجه العملة 50 مرة، إذا كانت العملة "سليمة".   إذا جاء وجه العملة في كل الـ 100 مرة، يمكن للمرء أن يستنتج باحتمال كبير أن العملة كانت منحازة لأنها تفضل الوجه عن الظهر (أو على الأرجح، كان للعملة وجهين متشابهين!). و هكذا يجعل حساب الاحتمال من الممكن الاستدلال على وجه التحديد احتمال حدوث نتيجة معينة مبنية على افتراضات خاصة بالحدث الأولي (هنا، رمي العملة).

واحدة من الحقائق المثيرة للاهتمام في نظرية الاحتمالات هو أنه يمكن للتحليل الخلفي و هو دراسة النتائج بعد وقوع الحدث - أن يبدو مظهراً لوجود انتظام في حين أن النتيجة تعتبر عشوائية. على سبيل المثال، في ألف رمية لعملة واحدة، فإنه لن يكون من غير المألوف أن يكون هناك عشرة أوجه في صف واحد في مرحلة ما. يبدو أن العقل يميل لقراءة النظام في هذه النتائج، مما يؤدي إلى امكانية استنتاجات خاطئة. و السعي المستمر (و الفاشل) للحصول على "رمية نرد فائزة" في كازينو القمار تعتبر مثال على كيف يمكن للعقل أن ينخدع بمثل هذه الاحداث العشوائية. يقول كثير من الناس أن "التحليل الفني" لأسعار الأسهم في السوق تعتبر مثال آخر على السعي نحو نظام ظاهر في نشاط عشوائي.

عندما يقول المسيحيون أن النظام الواضح في الكون يعرض عمل يد الله الخالق، و "الشخص العقلاني" الذي لا يوافق قد يقول، في الواقع، أن النظام الواضح هو نتيجة لأحداث عشوائية. و يتبنى جورج والد، الأستاذ في جامعة هارفارد والحائز على جائزة نوبل في علم الأحياء، وجهة النظر هذه. و الذي كتب مقالة مثيرة جدا للاهتمام في أغسطس 1954 في مجلة العلوم الامريكية (ساينتفيك أمريكان) و الذي يقدم فيها نشأة وجهة النظر العلمية في أصل الحياة.1

قبل عصر التنوير، كما يقول، كان الرأي السائد لدى الغربيين أن الحياة قد خلقها الله.

ومع ذلك، فإن العناصر الأكثر عقلانية للمجتمع، تميل إلى تبني وجهة النظر الطبيعية للموضوع. و يتوجب على الواحد فقط قبول الأدلة المبنية على الحواس ليعرف أن الحياة تنشأ بشكل منتظم من الكائنات غير الحية: الديدان من الطين، و اليرقات من فساد اللحوم، الفئران من النفايات بمختلف أنواعها. هذا هو الرأي الذي أطلق عليه لاحقا الخلق (التكوين) التلقائي.  و شكك عدد قليل من العلماء فيه. و قبل كل من أرسطو، نيوتن، وليم هارفي، ديكارت، فان هالمونت، الخلق (التكوين) التلقائي دون أدنى شك. في الواقع حتى اللاهوتيون... يمكنهم قبول هذا الرأي، لأن سفر التكوين يقول لنا، ليس أن الله خلق النباتات و معظم الحيوانات مباشرة، و لكنه جعل الأرض والمياه تفيض لتأتي بهم. و حيث أن هذا التوجه لم يتم إلغاءه أبدا، لا يوجد ثمة هرطقة في الاعتقاد بأن هذه العملية قد استمرت.

ولكن خطوة خطوة، في الجدل الكبير الذي انتشر منذ أكثر من قرنين، و تم التخلي عن هذا الاعتقاد حتى لم يتبق منه شيء...

و استمر العالم والد في وصف أول تجربة عظيمة لباستير و الذي أظهر فيها أن العفن و الديدان لا تظهر بصورة عفوية في المَرَقُ التَغْذَوِيّ. ثم استمر ليقول:

و كانت هذه واحدة فقط من تجارب باستير. فهى ليست مسألة سهلة للتعامل مع معتقد بديهي راسخ مثل فكرة الخلق (التكوين) التلقائي.... و عندما انتهى، لم يتبق شيء من هذا الاعتقاد بالخلق (التكوين) التلقائي.

و نقول هذه القصة للطلاب المبتدئين في علم الأحياء كما لو أنه يمثل انتصاراً للعقل على الغموضية (الروحانية).  و في الواقع إن الأمر قريب جداً من العكس. فقد كانت وجهة النظر العقلية هى الاعتقاد في الخلق (التكوين) التلقائي. و البديل الوحيد لذلك، هو الاعتقاد في فعل واحد أساسي و هو الخلق الخارق. لا توجد وجهة نظر ثالثة. و لهذا السبب اختار العديد من العلماء منذ قرن مضى اعتبار الاعتقاد في الخلق التلقائي على انه "ضرورة فلسفية". إنه عرض من أعراض الفقر الفلسفي لعصرنا أن هذه الضرورة لم تعد موضع تقدير. فمعظم علماء الأحياء المحدثين، بعد أن شاهدوا برضا سقوط فرضية الخلق التلقائي، و في نفس الوقت غير راغبين قبول الاعتقاد البديل بنظرية الخلق الخاص، أصبحوا بلا اساس. [التأكيد تمت اضافته للنص باستخدام الحروف المائلة]

ثم استمر العالم والد ليقول بأن العالم "ليس لديه خيار سوى أن يقارب مسألة أصل الحياة عن طريق فرضية الخلق التلقائي". و شرع في وصف ما هو المتضمن في صنع كائن حي:

و هكذا، تشكل الجزيئات العضوية مجموعة كبيرة وهائلة، لا نهاية لها في التنوع و ذات تعقيد مذهل. فلا يمكن للمرء أن يفكر في وجود الكائنات الحية دونها. و هذه على وجه التحديد هى الإشكالية، فلفهم كيف نشأت الكائنات، يتوجب أولاً وقبل كل شيء شرح كيف تمكنت هذه الجزيئات المعقدة أن تأتي إلى حيز الوجود. و هذه ليست سوى البداية. فلتكوين كائن حي، لا يتطلب فقط مجموعة متنوعة و هائلة من هذه المواد، بكميات كافية و نسب ملائمة، و لكن أيضاً الترتيب الصحيح لها. فهنا، لا تقل البنية أهمية عن التكوين و عن تعقيد البنية! فالآلة الأكثر تعقيداً التي قد ابتكرها الإنسان لنَقُلْ الدماغ الإلكترونية تعتبر لعبة طفل مقارنة مع أبسط الكائنات الحية. و على وجه الخصوص فإن التعقيد هنا ينطوي على مثل هذه الأبعاد الصغيرة. إنه على المستوى الجزيئي؛ و يتكون من تركيب مفصل لجزيء مع جزيء لا يمكن لأي عالم كيميائي محاولة القيام به.

وما علينا إلا أن نفكر في ضخامة مهمة الاعتراف بأن الخلق التلقائي لكائن حي يعتبر أمراً مستحيلاً. [التشديد مضاف.]

و في ما تبقى من مقالته، استمر العالم والد في القول أنه ربما كان المستحيل ليس مستحيلاً لهذه الدرجة. و هو يستخدم حجتين لهذا. أولاً، يقول إن "استحالة" فرضية الخلق التلقائي صالحة فقط كما ينظر إليها العلماء الذين يعملون في الزمن المحلي مع امتداد لبضع مضاعفات للعمر. ومع ذلك، ينظر إليها من منظور الزمن الجيولوجي:

بإفتراض الزمن الطويل جداً، يصير "المستحيل" ممكناً، و الممكن محتملاً، و المحتمل يصير يقيناً بالفعل.

و هذه الحجة الأخيرة هي في جوهرها بيان حول حساب التفاضل للاحتمالات. فمهما كان احتمال وجود نتيجة معينة في تجربة ما صغيراً، فإنه سيحدث بالتأكيد إذا تم تكرار التجربة بما فيه الكفاية. و تتعلق الحجة الثانية للعالم والد بنظرية المعلومات، وسيتم مناقشتها لاحقا في هذه الورقة.

في الأساس، يقول والد أن الكون يبدو فقط أنه يظهر دليل على الله الخالق. لكن في الواقع، هو نتيجة لنشاط عشوائي. كيف يمكن لمسيحي الرد على هذا الجزم؟ طريقة واحدة هي التحقق من الحسابات. لنتذكر أن والد، على الرغم من كونه عالماً يتحدث بشكل مقنع جداً بلغة علمية، إلا انه حقاً لا يقدم  حجة مبنية على الاستدلال المنطقي. و لكي نكون منصفين، ليس من السهل له ان يفعل ذلك، لأن مقاله يغطي الكثير من الأسس، و هو موجه لغير العلماء. و من أجل سد الثغرات، فمن الضروري تقديم بعض الحقائق حول نظرية الاحتمالات، و التي تشكل أساس لكل حسابات الاحتمال الصالحة.

هناك أربعة عناصر لحساب الاحتمال: فضاء، مجال، إجراء، و حساب التفاضل. هذه هي المصطلحات الفنية ذات معاني محددة للغاية و هي معروفة جيدا لعلماء الرياضيات. و لغرض أن يكون هذه المقال كافياً لنا التعاريف المبسطة التالية. هذه التعريفات ليست مكتملة؛ لتقدم تعريف كامل، انظر لمرجع اساسي في الاحتمال.

الفضاء هو مجموعة من الكائنات قيد المناقشة لحساب احتمال معين. أمثلة على فضاء الاحتمال هي:

(1) الحروف الأبجدية (26 في العدد)، أو

(2) مجموعة الأحماض الأمينية الاساسية للحياة (سيتم مناقشتها لاحقاً في هذه الورقة).

لاسيما هذه تعتبر فضاءات بسيطة، لأنها محدودة و لها عدد قليل نسبيا من العناصر. في الواقع هناك عشرين عنصراً (حمض أميني) في الفضاء الثاني المذكور أعلاه. في بعض الأحيان، ومع ذلك، فإن الفضاء يمكن أن يكون هائل، أو هناك إشكالية في تعداده: فضاء من جميع البروتينات الداعمة للحياة، على سبيل المثال. وتشير التقديرات إلى أن هناك 1010 - 1012 من البروتينات المختلفة في مملكة الحيوان و النبات (1010 هى رقم 1 متبوعاً بعشرة أصفار، أي 10000000000).   إذا كان هذا يعتبر كل ما هو ممكن من البروتينات الداعمة للحياة، إذن هذا الفضاء كبير و لكنه محدود.  و لكن هل هذه هي فقط القادرة على دعم الحياة؟ ربما كان هناك مجموعة متنوعة أكبر بكثير من النماذج التي ستكون قادرة على دعم الحياة. و يكفي القول، أنه إذا كان من الصعب وصف فضاء الاحتمال قيد المناقشة، أو إذا تكوينه أمر مشكوك فيه، إن الحجج المبنية على الاحتمال التي تستخدم هذا الفضاء ستكون خاضعة لشك منطقي و يجب أن تذكر بعناية فائقة.

و المجال هو الطريقة التي يتم بها تقسيم فضاء الاحتمال. و بالنسبة لأولئك الذين درسوا الرياضيات الحديثة، هذا يتوافق مع المجموعات الجزئية من الفضاء. في الحجج التي ستكون قيد المناقشة أدناه، المجال قليل الأهمية، أي أن كل عنصر في الفضاء يتم التعامل معه بشكل فردي. في الواقع، طالماً أن الفضاء محدود، و يعتبر هذا المجال الوحيد قيد الاهتمام في الحجج المبنية على الاحتمال. و تبدا الأسئلة المتعلقة بطبيعة مجال الميدان في أخذ أهمية عندما يكون الفضاء غير معدود و لانهائي على سبيل المثال: إذا كان الفضاء هو سطح الأرض، أو حجم الكون المرئي، اذن المجال قد يكون مناطق أو وحدات تخزين، بدلا من نقطة. إذن الحجج المبنية على الاحتمال تخص الأحداث التي تحدث في المناطق أو وحدات التخزين.

الإجراء هو أمر الاحتمال الذي يتم تطبيقه على كل عنصر من عناصر المجال. و في حالة وجود فضاء محدود، كل عنصر في الفضاء له قيمة احتمال و هذه كلها يجب أن يكون مجموعها الواحد الصحيح.  على سبيل المثال، إذا كان كل من الأحماض الأمينية الداعمة للحياة وفيرة في الطبيعة بشكل متساو، فإن الاحتمال المخصص لكل حمض هو احتمال أن يتم اختياره في السحب العشوائي و تكون قيمته (1/20). من ناحية أخرى، إذا كان الغرض للنظر في الحروف الأبجدية هو دراسة تكوين كلمات اللغة الإنجليزية، أو الرسائل التي تتكون من مثل هذه الكلمات، فمن ثم قد يكون من الأنسب تعيين الاحتمالات لكل حرف و هى التي تتوافق مع تكرار الحرف في نص واضح.

وحساب التفاضل هو القواعد المستخدمة لحساب الاحتمال. على سبيل المثال، حساب التفاضل والتكامل يخبرنا كيفية حساب احتمال حدوث سلسلة معينة من الأحماض الأمينية أو كلمة معينة في اللغة الإنجليزية. ينطوي حساب التفاضل والتكامل على افتراضات حول طريقة التجميع، و من المهم معرفة ما هي هذه الافتراضات، لأن قواعد حساب التفاضل والتكامل تعتمد اعتماداً كبيراً على الافتراضات المستخدمة. و الافتراض الرئيسي الذي يتم وضعه في الغالب في حساب تفاضل و تكامل الاحتمال هو الاستقلال، وهو ما يعني أن احتمال تسلسل معين من التجارب العشوائية سيؤدي إلى نتيجة محددة هو نتاج الإجراءات المخصصة لكل محاولة. وهكذا، مع افتراض الاستقلال، فإن احتمال أن سلسلة معينة من الأحماض الأمينية N يمكن أن يحدث في ترتيب معين يمكن التعبير عنه بـ

P = (1/20)N = 1/20 x 1/20 x 1/20 x ... x 1/20 (N times)

إذا تم الحصول على سلسلة بسحب N من الأحماض الأمينية تم اختيارها بشكل مستقل، عن مصدر حيث كل مجموعة من الأحماض الأمينية متوفرة على قدم المساواة و وفيرة على حد سواء.

لاحظ المكافئات. حساب الاحتمال لا معنى له ما لم يتم فهم معنى المكافئات الكامنة.

و عندما تنشأ خلافات في تفسير حسابات الاحتمال، يوجد مصدر خلاف في واحدة من المكونات الأربعة لنظرية الاحتمال؛ الفضاء، المجال، الإجراء، أو حساب التفاضل والتكامل. من المهم أن تضع ذلك في الاعتبار. قد يكون ممكنا و حتى منيراً للذهن الاتفاق في هذه المجالات، و ليس ترك المناقشة و فيها خلاف حول الحساب النهائي. و لتقديم مثال بسيط عن الكيفية التي يمكن أن تنشأ بها الخلافات المشروعة، لننظر في مسألة تكرار كلمة في اللغة الإنجليزية. و بالتأكيد سيكون حساب التفاضل والتكامل الذي يحاول حساب تكرار كلمة بافتراض الاستقلالية في تركيبة من الحروف الفردية أمراً مخزياً، لأنه لن يكون قادراً على تفسير حقيقة أن حرف "Q" يحدث فقط في تركيبة مع حرف "U"، و أن التركيبة "UQ" لها احتمال مختلف تماما من حدوث (صفر) من التي للتركيبة "QU". و المشكلة هنا ليست النتيجة، و لكن افتراض الاستقلالية هو الذي أدى لتلك النتيجة.

لنعود الآن و ننظر في حجة العالم والد.  موضوع بحثه هو الظهور التلقائي للحياة. و في آخر تصريح نقلته، قال انه يقوم بالتأكيد على أن الخلق التلقائي للحياة هو "المؤكد فعلاً" بفرض كفاية الوقت. و هذا يبدو وكأنه حجة مبنية على الاحتمال - ما هو فضاء الاحتمال، مجاله، و ما إلى ذلك؟ بالطبع يجد المرء أن هذه الأمور غير مذكورة. و في الحقيقة فإن حجته غير مبنية علمياً على الإطلاق، و على الأقل ليس في الطريقة التي قدمها بها. فهل يمكن أن يتم تقديم حجة احتمالية مناسبة؟ نعم، يمكن أن نقديم هذه الحجة، و لكنها ستكون معقدة للغاية. ومع ذلك، يمكن للمرء تقديم حجة أبسط من ذلك بكثير و التي تقدم الحد الأعلى للاحتمال و الذي يتحدث عنه العالم والد. و السؤال الأبسط هو احتمالية الخلق التلقائي للبروتين الداعم للحياة. هذا أبعد ما يكون من الخلق التلقائي للحياة، و هكذا يجب أن يكون احتمال الخلق التلقائي للحياة أقل بكثير من احتمال التشكيل التلقائي للبروتين.

و من أجل المضي قدماً، من الضروري مراجعة بعض المعلومات الحيوية حول العمليات الرائعة التي تجري في كل خلية حية، من أبسطها إلى أكثرها تعقيداً.  تم تلخيص هذه المعلومات من اثنين من الكتيبات التي نشرتها الحكومة الأمريكية2. ومن المثير للاهتمام، تم اكتشاف معظم هذه المعلومات بعد ظهور مقالة العالم والد.

 

العمليات الحيوية في الخلية

كل طالب في المدرسة الثانوية سمع تقريباً عن التجارب الشهيرة على نباتات البازلاء العطرة التي أجراها الراهب الأسترالي جريجور مندل في منتصف القرن الـ19. و التي أسفرت عن اكتشاف الجينات، و هى مكونات غامضة في الخلايا التناسلية تحمل الخصائص الوراثية. و لقد اثبت مندل في سياق تجاربه، أن الجينات من الآباء والأمهات ذات الصفات الوراثية المختلفة تجتمع وفقاً لقواعد احتمالية محددة لإنتاج صفات في النسل و ذرية هذا النسل.

و لقد أثبت مندل أن الجينات حقيقية، و لكن مضت فترة طويلة قبل أن يتمكن العلماء من تعيين موضعها و التعرف عليها. و في عام 1920، تبين أن الجينات موجودة في أجسام طويلة تشبه الخيط تُسمى الكروموسومات، و أن ترتيب الجينات في الكروموسومات مرتبط بحقيقة أن بعض الصفات الوراثية تبدو أنها تحدث معا. و تميل الجينات القريبة من بعضها في الكروموسوم أن تكون مرتبطة بقوة أكبر من الجينات المنفصلة بمسافة ما. و يبدو الأمر كما لو أن الكروموسومات قُطعت إلى أجزاء و تم لصقها معاً في جينات النسل في نفس القطعة التي سيتم نقلها بشكل سليم للنسل، حتى أن وراثة الجينات المتجاورة تميل أن تكون معاً.

و خلال الأربعينات من نفس القرن (1940-1949)، تم اكتشاف أن الجينات تتكون من الحمض النووي (حَمْضُ الديوكسي ريبونوكلييك)، و هو عبارة عن جزيء كبير و لكن غير معقد، تم بناؤه من أربع كتل بناء أساسية تسمى النيوكليوتيدات - الأدينين، الثيمين، الجوانين، و السيتوزين، و يرمز لها بالحروف A، T، G وC للإختصار. و في عام 1953 تم اكتشاف الهيكل التركيبي لجزيء الـ DNA، جنبا إلى جنب مع الطريقة التي يستنسخ بها نفسه. يأخذ الـ DNA شكل حلزون مزدوج، و يتألف كل من شقيه من سلسلة طويلة من النيوكليوتيدات. و يكون الشق الثاني من الحلزون مكمل للشق الأول، بترتيب مقابل من النيوكليوتيدات و التي فيها يرتبط A مع T، و G مع C.  و يقدم لنا الشكل 1 رسماً لهذا الترتيب. و عندما يستنسخ جزيء DNA، ينفصل شقيه، و يقوم كل واحد منهما بتشكيل شق ثاني جديد ليماثل الشق الذي انفصل عنه، كما هو موضح في الشكل 2. و هى عملية تماثل السوستة التي يتم فتحها و فصلها إلى نصفين ثم يتم جمع نصف سوستة جديد ليتناسب مع كل نصف من السوستة الاولى. و على هذا، فإن كل جانب من السوستة يشكل قالب دقيق لجزيء DNA أصلي كامل، الذي تكمله و ترتبط به النيوكليوتيدات العائمة في السائل الخلوي. و ستناقش آلية البناء الفعلية له مع تكوين البروتين.

الشكل 1

رسم تخطيطي للحلزون المزدوج للحمض النووي DNA

الشكل 2

إعادة إنتاج الـ DNA بواسطة النسخ المتماثل


و تحتوي جميع الخلايا، من أبسطها إلى أكثرها تعقيداً، على كميات كبيرة من الحمض النووي الـ DNA. و تشير التقديرات إلى أن كل إنسان بالغ يحمل حوالي 100 بليون ميل من خيوط الحمض النووي في جسمه، و التي إذا تم فردها و توصيلها من طرف لأخر تكفي لتحيط بالمجموعة الشمسية. 4

و تبرز حقيقتان مهمتان في الاكتشافات المذكورة حتى الآن. أولاً، تتطلب إعادة إنتاج الحياة (التكاثر) سبق وجود اللبنات و التي توجد بكثرة في السائل الداعم للحياة. أي ان الحمض النووي الـ DNA لا يخلق الشق المطابق من "العدم"، إنه يتطلب نيوكليوتيدات موجودة سابقاً. و على هذا، فإن اعتماد آلية الاستنساخ هذا على توافر تركيبات جزيئية أخرى موجودة سابقاً خارجه يعتبر سمة لجميع أشكال الحياة. في كل خطوة، يتطلب استمرار الحياة أشكال حياة سابقة. و ثانياً، إن الخصائص التي تحدد الأنواع (و الاختلافات الدقيقة داخل النوع الواحد) يتم ترميزها بطريقة أو بأخرى في البنية المعقدة للحمض النووي، و هى تنتقل من جيل إلى آخر عن طريق عملية مطابقة القالب التي ناقشناها أعلاه.  و تعتبر عملية مطابقة القالب هو ما يؤكد الاستنساخ الدقيق للأنواع.   لم تتشكل الحياة، بقدر ما هو معروف، من دون قالب موجود مسبقاً. حتى أبسط شكل من أشكال الحياة فيه الآلاف من جزيئات الـDNA المتقنة، مع ترميز وراثي مفصل.

و يُعتبر وصف بنية الحمض النووي ليس سوى الخطوة الأولى في فهم آليات الخلية المعقدة. حيث يعتبر الحمض النووي الدماغ، إذا جاز التعبير، للخلية، و لكن البروتينات هى بمثابة العمال. لا يمكن أن توجد حياة بدون البروتينات.  كيف يتم تصنيعها؟ و حيث أن الأنواع المختلفة تحتوي على بروتينات مختلفة، فمن الواضح أن الترميز الوراثي في الحمض النووي مرتبط بتكوينها. كيف يتم ذلك؟ و الإجابة على هذا السؤال بدأت تصبح مفهومة في السنوات العشرين الماضية، وخاصة في العقد الأخير.

و يمكن أن يتكون كل جين من 2000 من أزواج النوكليوتيدات المتقابلة في الحلزون المزدوج للـ DNA. و في أوائل عام 1960 تبين أن المعلومات الوراثية مكونة من ثلاثيات من النيوكليوتيدات. و يشكل كل ثلاثي منها "كلمة" وراثية تخصص بشكل فريد حمض أميني معين (يوجد من الأحماض الامينية عشرون) أو تشير إلى بداية أو نهاية تسلسل عملية التكوين.   يتم بناء البروتينات من الأحماض الأمينية في نفس الترتيب الذي تمليه الشفرة الوراثية.

وبحلول اوائل عام 1980، تم فهم طريقة تكوين البروتينات، كيفية تنظيم عملية تأليفها، و دور الحمض النووي في كلتا العمليتين بتفصيل كبير. عملية اختزال رسالة الحمض النووي عن طريق حمل الرسالة إلى مصانع البروتين المصغرة في الخلية و بناء البروتينات عن طريق مجموعة معقدة من التفاعلات.   ومن ثم تمثيل كل الأحماض الأمينية في سلسلة البروتين بثلاثة نيوكليوتيدات من الـ DNA. و تتصرف تلك الوحدة ثلاثية القواعد ككلمة في جملة الـ DNA المختصة بكل بروتين أي الشفرة الوراثية.

و من خلال الشفرة الوراثية، يمكن للجين ، تجميعة خطية من النيوكليوتيدات، بأكمله الآن أن يُقرأ مثل كتاب. و بحلول عام 1970، تعلم الباحثون قراءة شفرة بروتينات معينة، و توليف الحمض النووي الخاص بها، و إدراج الحمض النووي في البكتيريا بحيث يمكن تكوين البروتين. 5

ونظرا لهذا الفهم للعمليات الحيوية الأساسية، أصبح من الممكن لنا الآن العودة إلى تأكيد العالم والد من أجل معرفة ما إذا كانت المعلومات المفيدة ممكنة أم لا. و مما يُعرف الآن، تم تخليق البروتينات من مخططات، من خلال عملية النسخ. حتى أن العلماء وصلوا لإمكانية تكوين "مخطط" اصطناعي و من ثم يتم تصنيع بروتين وفقا للطبخة الدوائية التي قام بها العلماء. ولكن كيف تم بناء أول البروتينات الحية؟ و أين كان المخطط لها؟

و من المعروف جيداً بين العلماء أنه حتى خطأ واحد في تسلسل الترميز لبروتين ما يمكن أن يؤدي إلى طفرة كارثية التي يمكنها القضاء على الحياة بدلاً من تدعيمها. على سبيل المثال، بروتين الهيموجلوبين يتكون من 300 من الأحماض الأمينية تقريباً.   و تعتبر أنيميا الخلايا المنجلية، و هو اضطراب وراثي يؤثر على قدرة خلايا الدم للقيام بدورها على نحو فعال، نتيجة لخطأ في مكان حمض أميني واحد.

و بسبب طريقة بناء جزيئات الـ DNA و البروتينات من أنواع قليلة نسبياً من المكونات، فمن الممكن تماماً القيام بوضع حجج احتمالية لتظهر أن فرصة إنتاج بروتين وحيد من البروتينات الداعمة للحياة غير مرجح للغاية. و يناقش العالم فريد هويل، الحائز على جائزة نوبل في علم الفلك، المشكلة في كتابه الأخير، عشرة أوجه للكون. فهو يكتب بشأن أصل الحياة: 6

سيكون لدينا إجابة واضحة لهذا السؤال إذا كان يمكننا القول بشكل معقول أن الترتيب الأولي للخلية الحية يرجع للصدفة. و لكن يُظهر حساب الاحتمال السابق أن مثل هذا التفسير غير معقول، و أننا نواجه حالة غريبة. حتى البروتين الأقل تعقيداً و المهم بيولوجيا يتكون من حوالي مائة من الأحماض الأمينية المرتبطة لتشكل سلسلة طويلة. كل رابطة في السلسلة تتكون من حمض أميني معين من مجموعة الأحماض الأمينية العشرين. و لكن مع عشرون احتمال لكل رابطة، يكون هناك احتمالية وجود 20100 من البروتينات المتميزة و التي فيها مائة رابطة. كيف تم اختيار الترتيب المعين المهم بيولوجيا من بين هذا العدد الهائل من الاحتمالات؟ في بيئة مناسبة، من المؤكد أنه يتم تجربة العديد من الترتيبات، ولكن لا يصل لحد 20100 محاولة. و لا يتخطى عدد الأحماض الأمينية على الأرض كلها 1044.   فإذا شارك كل واحد منها كل بضع ثوان في محاولة جديدة، فحتى أربعة بلايين سنة لن يكون وقت كاف لأكثر من حوالي 1060 من المحاولات، أقل بكثير من 20100 محاولة التي نحتاجها. حتى بالنسبة لجميع الأنظمة الكوكبية الـ 1020 الممكنة في الكون المرئي، سيكون هناك فقط حوالي 1080 محاولة، لا تزال أقل بكثير من 20100 [= 10130]. و بصراحة إذن، فإن معظم الطرق التي يمكن أن ترتبط بها الأحماض الأمينية لتكوين البروتينات لا يمكن أن يكون قد تم تجربتها كلها أبدا، و لا حتى مرة واحدة في تاريخ الكون المرئي كله. [التشديد مضاف.]

و في مكان آخر من نفس الكتاب، يكتب هويل،

من وجهة نظر علم الأحياء، فإن وجودنا على الأرض يعتمد على تسلسل ملفت و حتى رائع من العمليات الكيميائية. من وجهة نظر الفيزياء، فإن المواد ذاتها التي تشكلنا منها شهدت تطوراً أقل لفتاً للنظر بشكل نادر.

وفيما يتعلق بالاختيار التطوري، يقول هويل،

ولكن هل يمكن لمثل هذه العملية أن تنتج التجميعة الغنية جداً من النباتات والحيوانات التي ظهرت على الأرض خلال 500 مليون سنة الماضية؟ قام تشارلز داروين بالإجابة على هذا السؤال بالإيجاب في كتابه أصل الأنواع. و بملاحظة التغييرات المتنوعة في الطيور والنباتات، سعى داروين لتقدير المعدل الديناميكي لعملية التطور. وكان استنتاجه أن المعدل كان كافيا لتفسير التغييرات.

... على الرغم من أن هذا التحليل يُشكل تقدماً حاسماً في التفكير البيولوجي في منتصف القرن التاسع عشر، إلا أنه كاف بالكاد لإشباع فضولنا في القرن العشرين. و في الواقع، أعتقد أننا اليوم يمكن أن نشعر ببعض التعاطف مع معارضي داروين في النقاش الكلاسيكي الذي أعقب نشر كتابه أصل الأنواع. تبدأ الحجة المقابلة، بصياغتها بلغة حديثة، بالإشارة إلى الكم الهائل من المعلومات المطلوبة لتحديد تركيب النباتات و الحيوانات. ما هو مصدر تلك المعلومات؟ أظهرت أبحاث داروين كيف يمكن أن تُنقل المعلومات، دون أن يتم التعرف على مصدرها. و على ما يبدو فإن المعنى الضمني لبيولوجيا القرن التاسع عشر هو أن الشفرة الجينية قد نشأت بطريقة ما بشكل عفوي، و أساسا من لا شيء. و من غير المرجح أن يكون هذا الرأي صحيحاً، و ذلك بسبب أن فرصة انتقال، خلايا فردية كثيرة بعملية عشوائية نحو شكل من أشكال الحياة المعقدة، هي فرصة صغيرة للغاية.

وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن العالم هويل، مثل والد، يتقبل هذه الحقائق، بحسب تميزها، ضد الفرضية البديلة لوجود خالق. يؤكد كل من والد و هويل على حد سواء أن هناك قوانين طبيعية غير معروفة تتبعها المواد العضوية و التي يترتب عليها تطور تدريجي سريع و هادف على نحو وثيق. و على هذا، فإن "الكمية الهائلة من المعلومات" ليست في الحقيقة كبيرة جدا لأنها منتج ثانوي لهذه القوانين.

إن حسابات الاحتمال التي قام بها العالم هويل فيما يخص تكوين البروتين مثيرة للاهتمام للغاية. و هى حسابات تقريبية نموذجية التي غالبا ما تكون "اختبار صحة" جيد لاختبار الأفكار النوعية أو البديهية. وغالبا ما يستخدم العلماء هذه الحسابات باعتبارها تحقيقات استكشافية لإيجاد المناطق التي تستحق تحليلا أكثر حذرا. و ما هو ذو أهمية خاصة أنه ضمنا في حسابات هويل يتضح أن تصريحات والد البديهية حول تأثير الزمن الجيولوجي تجعل حدث تكوين البروتين النادر "مؤكداً بالفعل" ليست فقط تصريحات خاطئة، ولكنها تغيب عن الحقائق بفرق كبير. حتى الزمن الجيولوجي و مجموع الكون المرئي لن يكونا كافيين.

و اختار هويل واحد من اثنين من الطرق المحتملة لتكوين البروتينات الأولى من خلال عمل عشوائي. افترض تكوين عشوائي للبروتينات مباشرة، دون مساعدة من قالب من الحمض النووي. وهناك طريقة ثانية لتكوين البروتين و هي بمساعدة  القالب. و هذا يرجعنا بالمشكلة إلى الخلف خطوة واحدة، و هى كيف تم تشكيل القالب الأول؟ و يبدو أن هناك اتجاها لدى بعض علماء الأحياء في العصر الحالي لاتخاذ نهج القالب، بحجة أن الطين البدائي قد وفر عن طريق الصدفة قالب مناسب لتكوين البروتينات الحية الأولية. و قد اقترح هذا عالم الفلك كارل ساجان في سلسلة أعماله التلفزيونية الشهيرة، "كوزموس"، في مناقشة نتائج الاختبارات المختلفة لجزيئات عضوية داعمة للحياة في التحقيقات الأخيرة لوكالة ناسا عن الكواكب. ويلاحظ أن بعض أنواع الطين تبدو و كأنها تقود إلى تجميعة من جزيئات عضوية. و ليس من الممكن متابعة هذه الفرضية أيضاً هنا، لكنها قد تمثل الاتجاه المستقبلي في التفكير العلمي.

في الواقع، إن حجة العالم هويل تحتوي على خطأ بسيط في حساب تفاضل و تكامل الاحتمال: لأنها لا تأخذ 20100 محاولة لتصل لحدث له احتمال 20-100.  و تكون الصياغة الأكثر دقة على النحو التالي. لنفترض أن هناك حوالي 1012 (واحد تريليون دولار، في استخدام الولايات المتحدة) من البروتينات المختلفة في المملكة النباتية والحيوانية، و سوف نعتبر الإنتاج العشوائي لأي واحد من هذه البروتينات نجاحاً.  و نفترض للتسهيل أن جميع هذه البروتينات طولها 100 حمض أميني على الاقل. فإذا ما تم اختيار كل حمض أميني عشوائياً من 20 حمض أميني متاح و داعم للحياة، و كل حمض أميني له نفس القدر من احتمالية الاختيار في سحب عشوائي (احتمال 1 / 20)، فمن ثم يكون احتمال أن بروتين مكون من سلسلة من الأحماض الأمينية يكون واحد من 1012 من البروتينات الداعمة للحياة، هو 1012/20100.  و في كل المحاولات الـ1080 المستقلة، باستخدام العدد الذي نقله العالم هويل، يكون احتمال إنتاج واحد على الأقل من البروتينات الدعمة للحياة هو

P = 1 - (1 - 1012/20100)N

بحيث

N = 1080

يمكن تقييم هذه الكمية تقريبا التي كتبها خدعة حسابية بسيطة تنطوي على الدالة الأسية (الذي يظهر على معظم الآلات الحاسبة العلمية).

P = 1 - exp (-101220-1001080)

= 1 - exp (-2-10010-8)

= 10-38

و يضاهي هذا الاحتمال فرصة العثور على حبة معينة من الرمل في علبة رمل بحجم الأرض (كتلة الأرض هي 1026 جرام فقط) بالسحب العشوائي مرة واحدة.

ماذا يظهره حساب الاحتمال هذا؟ على أقل تقدير، فإنه يدل على أن تصريحات العالم والد كانت متسرعة قليلاً. و لكن هل تثبت ان عمل يدي الله كان مسؤولا عن جزيء البروتين؟ الجواب لا، لأن الحسابات تعتمد على العديد من الافتراضات القابلة للنقاش. منها أولاً، إنه من غير المحتمل أن افتراض الاستقلالية مناسب عند النظر إلى تكوين بروتين من 100 حمض أميني، بسبب وجود التفاعلات الكيميائية المعقدة و الترابط. لذلك حتى في هذا المعنى فإن النموذج يعتبر تبسيط مفرط له تأثير غير معروف على دقة حساب الاحتمالات. ثانيا، ما هو الحجم الفعلي لفضاء الاحتمال لجميع البروتينات الداعمة للحياة الممكنة؟ هل يمكن أن يكون 1012 بدلاً من 20100؟

و من الناحية الأخرى، فإن إنتاج مجرد جزيء داعم للحياة هو لا يعادل بأي حال من الأحوال خلق حياة. النظام الكلي الداعم للحياة في خلية أكثر اتساعاً وتعقيداً من ذلك، و ينطوي على أوجه إعتماد متبادل معقدة. ولكن على الأقل، تُظهر الحسابات أن نصير التطور يجب أن يبحث في مكان آخر عن حجة مقبولة لتشكيل فرصة للحياة.

ومن الحقائق العلمية أنه يمكن العثور على بعض المركبات العضوية البسيطة و إنتاجها بوسائل غير عضوية. فالأحماض الأمينية، التي تنطوي عادة على 10-30 من الذرات، قد وجدت في المادة خارج الكرة الأرضية.  و في ضوء الحسابات السابقة، لا يبدو هذا غريباً أكثر مما ينبغي من وجهة النظر التوافقية البحتة. ومع ذلك، فإن المادة الحية تنطوي على تعقيدات أكبر بكثير من الأحماض الأمينية. و الطريقة الوحيدة التي يمكن بها للعلماء العلمانيين أن يجادلوا أن الحياة نشأت بشكل طبيعي هي بافتراض آليات قوية غير معروفة و التي لها قوة التأثير لتركز النشاط العشوائي في قناة ضيقة تؤدي إلى الحياة.

 

المعلومات وترميزها

وقد ركزت المناقشة حتى الآن على الجدال الاحتمالي المحض. فهل يمكن للنظام المنظور أن يتكون في الواقع كنتيجة لآليات عشوائية؟ على الأقل من خلال البناء الافتراضي الذي ناقشناه، فإن الجواب سلبي بشكل واضح.

و النهج الثاني هو محاولة لتحديد مستوى المعلومات المشتركة في العمليات الحيوية. فهل يمكن أن يتضح أن الكمية كبيرة جداً ليتم أخذها في الاعتبار بعيداً عن الله؟

و تشمل مناقشات المعلومات، بالإضافة إلى المفاهيم الاحتمالية المذكورة سابقاً، بعض المفاهيم الإضافية. فالمعلومات يتم نقلها في قناة أو وسيط، و هى موجودة كشفرة أو ترميز يحددها خوارزميات أو قواعد ترميزية. يعتبر جزيء الـ DNA قناة للمعلومات، كما هو النص المطبوع بالنسبة للكتاب. إن الخوارزميات في حالة الـ DNA هى القواعد التي تحكم الطريقة التي يتم بها تسجيل المعلومات الجينية في الجزيء، و يعتبر الترميز هو تسلسل النيوكليوتيدات الناتج و الذي يتضمن هذه المعلومات الوراثية. و في حالة النص المطبوع، تعتبر الخوارزميات هي قواعد النحو متضمنة قواعد الإملاء، و الكلمات هي التعليمات البرمجية أو الترميز. في معظم النصوص المطبوعة، لا توجد أي محاولة لحجب المعلومات، و بالتالي فإن خوارزميات الترميز تقدم معنى واضح، لا لبس فيه للمعلومات المرمزة. و عندما يكون القصد هو طمس المعنى، تسمى خوارزميات الترميز "خوارزميات التشفير."

 

و تضمن الأسئلة المشروعة التي يمكن تناولها في نظرية المعلومات ما يلي:

1. ما هى القدرة الاستيعابية لأي قناة أو وسيط، أي كم من المعلومات يمكن للقناة أن تحمل؟

2. هل يمكن تحديد المحتوى الفعلي لقناة المعلومات - ما هو مخطط الترميز و هل يمكن فكه؟

3. كيف يمكن التعرف على وجود المعلومات؟

هناك بعض الحقائق المذهلة و المتعلقة بهذه الأسئلة، والتي سيتم ذكرها في المكان المناسب أدناه.

في مقالة والد، و بعد تقديم التصريحات التي نقلتها بالفعل، يستمر المؤلف في مناقشة المحتوى الكبير ظاهرياً للمعلومات في المادة الحية. فهو يكتب: 7

لتكوين كائن حي، يجب أن تدخل الجزيئات في تصاميم و روابط معقدة. فيجب أن تُشكل في نهاية المطاف آلة ديناميكية قادرة على إصلاح الذات، و بناء الذات. و إلى وقت ما، تبدو مشكلة الترتيب الجزيئي هذه أن تقدم تقريبا عقبة لا يمكن تخطيها في طريق تخيل أصل عفوي للحياة، أو في الواقع تخليق كائن حي في المختبر. فإنها لا تزال مشكلة كبيرة وغامضة، ولكنها لم تعد عقبة لا تُقهر. لقد حان التغيير في الرأي لأننا ندرك الآن أنه ليس من الضروري تماما جلب النظام لهذا الوضع؛ فنسبة رائعة من النظام متضمنة في الجزيئات ذاتها.

و يستمر العالم والد في ملاحظة أن البلورات تبدو لديها هياكل معقدة للغاية، على الرغم من أن الهيكل يمكن تفسيره من خلال حفنة من القوانين الفيزيائية. و عن طريق القياس، يقول إن التعقيد الظاهر للحياة قد ينجم عن تطبيق مجموعة من القوانين التي هى حتى الآن غير معروفة. ولذلك، فإن محتوى المعلومات قد يكون في الواقع أقل بكثير مما يبدو على السطح. و يعزز والد تصريحاته بملاحظة أن التجارب الأخيرة على الألياف العضلية تُظهر أنه عندما يتم حل الألياف و إعادة ترسيبها في ظل ظروف مناسبة، "تتم اعادة ترتيب الجزيئات في علاقتها ببعضها البعض لتجدد الأنماط الأصلية للأنسجة بدقة غير عادية."

هناك بعض أوجه الشبه المثيرة للاهتمام في تاريخ العلوم التي تساعد على توضيح هذه النقطة التي يحاول العالم والد القيام بها. قبل وقت يوهانس كيبلر، حاول العلماء وصف حركة الكواكب عن طريق خطط مفصلة جدا. قدم بطليموس في القرن الثاني الميلادي، نظريته عن حركة الكواكب في كتابه (المجسطي) من 13 جزء. و كانت الأرض، بالنسبة لبطليموس، هى مركز الكون. و تم وصف حركة الكواكب على أنها حركة دائرية لنوعية معقدة من دوائر داخل دوائر و التي في الحقيقة اتفقت تماما مع البيانات الفلكية المعروفة حينذاك.  استبدل كبلر كل هذا بمجموعة من المعادلات التي يمكن كتابتها على بطاقة بريدية، مع الاحتفاظ ببعض المساحة الفارغة في البطاقة. و لا تزال تُستخدم معادلاته اليوم لوصف مسارات الصواريخ البالستية في الفضاء والأجرام الفلكية الأخرى.

طريقة واحدة لقياس كمية المعلومات في الرسالة و هى حساب عدد الرموز اللازمة لصياغتها. من خلال هذا المعيار، فإن محتوى المعلومات الفعلي لحركة الكواكب، كما بينه كبلر، هو أقل بكثير مما كان يفترضه بطليموس وأتباعه. و هكذا، يقول العالم والد، أن التعقيد الملحوظ في العمليات الحيوية يجب أن يكون وهمياً، فوراء التعقيدات الملحوظة توجد القوانين البسيطة التي تتحكم في البنية و الهيكلية.

و بمعنى ما، لا توجد في الحقيقة وسيلة لدحض هذه التأكيدات. و بالتأكيد حيث أن قوانين غير معروفة تكمن وراء و تتحكم في العديد من العمليات التي نفهما اليوم، فقد تكون كذلك الحالة فيما يخص الأمور المحيرة حاليا. لا توجد وسيلة للإثبات، على سبيل المثال، أن شيئا ما يُوصف حاليا باستخدام 1000 من الكلمات لا يمكن وصفه بأكبر قدر من الكفاءة باستخدام 10 كلمات فقط.   فيمكن لنظرية المعلومات أن تقدم لنا السعة القصوى لقناة تحتوي على 1000 كلمة، ولكن لا يمكنها تقييم محتوى المعلومات الفعلية التي يتم استخدامها في الحالات الأكثر إثارة للاهتمام. إذا، كما هو الحال مع قوانين كبلر، فإن فكرة عبقرية تكتشف تسلسل من 10 كلمات يحمل كل المعلومات من تسلسل سابق من 1000 كلمة، اذن الرياضيات يمكن استخدامها لإثبات التكافؤ، و هكذا تقدم نظرية المعلومات كحد أقصى جديد فيما يخص محتوى المعلومات لرسالة يمكنها الآن أن تكون على أساس نسخة من 10 كلمات.

و بدلا من محاولة التفنيد المباشر لتأكيد العالم والد، من المفيد أن ننظر بعمق أكثر في معلومات و آليات ترميز العمليات الحيوية، لمعرفة مدى واقعية حجته حقا. فالمناقشة الواردة أعلاه في بنية الحمض النووي والبروتينات لم تمس سوى فقط الحقائق المذهلة عن الأساليب المستخدمة لترميز ونقل المعلومات في الخلية الحية.

 

الترميز ونقل المعلومات في الخلايا الحية

تعتبر الوسائل التي تخزن بها الخلية الحية و تستخدم المعلومات الوراثية لاستمرار العمليات الحيوية هي واحدة من أكثر الدراسات روعة في العلم الحديث و ما زال البحث مستمر. و إلى جانب المنشورات المذكورة سابقا، يوجد عرضاً غير تقني ممتاز لهذا الموضوع، و هو لدوغلاس ر هوفستاتر في كتابه  جويدل، ايشر، باخ: الشريط الخالد الذهبي، و هو الذي سوف نتناوله أيضا في مناقشات لاحقة في هذه المقالة. 8

و كما ذكرنا من قبل، فإن جزيء الحمض النووي عبارة عن سلسلة طويلة من المعلومات الوراثية المشفرة. و على ما يبدو هى التي تسيطر على تشكيل كل مادة الحياة في الخلية الحية. ولذلك، يمكن اعتبار الـ DNA هى قناة المعلومات. و هى قناة قدرتها هائلة. فكل خلية بشرية فيها نحو ثمانية أقدام من الحمض النووي، بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 1012 (تريليون، باستخدام الولايات المتحدة) من النيوكليوتيدات. و يقدر جزيئ الـ DNA الواحد ليكون حوالي 10 سم في الطول إذا تم فرده، و يحتوي على مليار (109) من النيوكليوتيدات. و على سبيل المقارنة، فقد تحتوي موسوعة كبيرة على 50 مليون كلمة، لذلك فإن جزيء الـ DNA الواحد لديه القدرة الاستيعابية لما يزيد عن معلومات موسوعة كبيرة.

هناك أدلة على أن الشفرة الجينية الواردة في الـ DNA يتم تخزينها بطريقة زائدة عن الحاجة. وبعبارة أخرى، فإن نفس المعلومات الوراثية تظهر في مواقع متعددة على طول شريط الحمض النووي. و يعمل هذا الانتشار للمعلومات على حماية البيانات ضد الفقدان من خلال الأضرار التي يمكن أن تلحق بجزء من السلسلة، تماما كما تحمي أقراص مغناطيسية احتياطية ضد فقدان ملفات الكمبيوتر. و يعمل المخ البشري بنفس الطريقة: فيمكن أن تتلف مناطق كبيرة من المخ دون فقدان البيانات. و بسبب هذا التكرار، فإن الـ DNA لديه القدرة على القيام بالإصلاحات الذاتية لأنواع معينة من الضرر.  وتعرف هذه التقنية باسم رمز تصحيح الخطأ.

و تجري العملية الفعلية لتوليد البروتينات و مختلف العمليات الداعمة للحياة بعيداً عن الحمض النووي، و

تعتمد على عمليات كيميائية خلوية معقدة للغاية و التي ليس لها ترميز في الحمض النووي نفسه. و يعتمد الـ DNA على حقيقة أنها سوف تحدث، و لكن لا يبدو أنه يحتوي على أي رمز يقوم بها. وهكذا لدينا اثنين من الآراء المتضاربة بشأن طبيعة المعلومات في التركيب الوراثي.   يقول أحد الآراء أن الكثير جداً من المعلومات يعتبر خارج الـ DNA لدرجة أنه ليس من المعقول أن ننظر للحمض النووي على أنه أي شيء أكثر من مجرد مجموعة معقدة جدا من المشغلات، مثل سلسلة من الأزرار في آلة الموسيقى. و يقول رأي آخر أن المعلومات هي كل ما هناك، ولكن في شكل ضمني جداً. 9

و في معنى ما، فإن جزيء الحمض النووي يشبه جهاز كمبيوتر فيه بنك من بيانات كاملة من المعلومات. السؤال الذي يطرحه هوفستادتر هو، من الذي يدير الكمبيوتر؟

و لقد تم اكتشاف الآلية الفعلية لنقل المعلومات من الحمض النووي للخلية في السنوات الـ 25 الماضية. و هو موضح في العقيدة المركزية للبيولوجيا الجزيئية. فهناك بروتينات خاصة تسمى الإنزيمات التي تتحكم في كل عملية حيوية في الخلية.   فكل عملية متميزة لها إنزيم متخصص خاص بها. و النظر إلى الانزيمات على أنها الملاحظ في مصنع الخلية؛ أي أنها تجعل الأشياء تحدث. و العمال هم من نوع آخر من الجزيئات التي شُيدت من البروتينات و الحمض النووي الريبوسومي (RNA). و ينقل الـ RNA المرسال (mRNA) الشفرات الوراثية من الحمض النووي الـ DNA  إلى مكان خارج النواة حيث يتم إنتاج البروتين الفعلي. و يقوم الـ RNA النقال (tRNA) بنقل الأحماض الأمينية الفردية إلى الـ mRNA لتجميع البروتينات.

و لإنتاج بروتين معين، يتحرك الانزيم المسؤول عن إنتاجه إلى جزء من الحمض النووي الذي يحتوي على الشفرة الوراثية السليمة و يقوم بنسخ الشفرة، و تجميع جزيء mRNA في هذه العملية. و عندما يكتمل جزيء mRNA يبدو وكأنه صورة طبق الأصل من شفرة الـDNA ، أو مترابط به بأكثر دقة، حيث أنه مصنوع من لبنات تكميلية، على غرار اقتران DNA من A مع T و G مع C. و من ثم، ينتقل mRNA للخروج الى السيتوبلازم (الجزء السائل الرئيسي من الخلية خارج النواة)، إلى بنية تسمى الريبوسوم، حيث يترابط به نوع آخر من الانزيمات للقيام بتكوين البروتين بشكل فعلي.

و هناك شكل خاص من جزيء الـtRNA  لكل نوع من الأحماض الأمينية. و يوجد في نهاية واحدة منtRNA  الحمض الأميني، مرتبط به برابطة كميائية ضعيفة؛ و يوجد في الطرف الآخر من الحمضtRNA  "الكلمة" المقابلة من ثلاثة نيوكليوتيدات و التي تشكل الشفرة الجينية لهذا الحامض الأميني. و بينما يتحرك انزيم إنتاج البروتين على طول mRNA، يقرأ كلمة واحدة في وقت واحد، و يجتذب الـtRNA  المقابل و الذي يعوم في السيتوبلازم، و من ثم يجرده من الحمض الأميني لاستخدامه في بناء سلسلة البروتين.

و تتكون شفرة mRNA للبروتين من عدة آلاف من الكلمات. و بينما يتحرك إنزيم ما على طول الجزيء، يمكن لإنزيم آخر أن يبدأ تكوين بروتين جديد. و هكذا في الوقت ذاته يمكن استخدام الـ mRNA لإنتاج نسخ عديدة من نفس البروتين. و كان من الممكن إلتقاط صور تحت المجهر الإلكتروني لهذه العملية (في الواقع من عملية مماثلة تستخدم لإنتاج قاعدة RNA). و تبين الصورة العشرات من جزيئات وليدة في خطوات تدريجية للبناء تشبه شجرة الكريسماس، حيث تبدأ الجزيئات الحديثة تشكيل فروع قصيرة في القمة و الأشكال الأكثر تقدما تشكل الفروع في أسفل الشجرة. 10

و تخلص العقيدة المركزية هذه العملية: DNA >  RNA> بروتينات، و تتم العمليات المشار اليها بالسهام بواسطة إنزيمات معينة. حقا هذه عملية رائعة. أين هو مقر المعلومات التي توجه هذا النشاط؟ هل يمكن تفسيرها بشكل بحت عن طريق التفاعلات الكيميائية؟ و تعتبر العملية برمتها متشابكة بشكل معقد: الانزيمات هي ذاتها عبارة عن بروتينات تم انتاجها بواسطة إنزيمات تعمل على الـ mRNA و الـtRNA ، و التي أنتجت بدورها بواسطة انزيمات من الشفرة الوراثية على DNA.   حتى تكرار الـ DNA ذاته يتطلب إنزيمات خاصة للقيام به. حتى لو كان يمكن تفسير عملية استقلاب (ميتابولزم) الخلية تماما، كيف بدأ كل ذلك؟ يلخص هوفستادتر الوضع على النحو التالي:

لقد تم الحديث عن هذه العضيات الرائعة التي تدعى الريبوسومات. ولكن مما تتركب هى أنفسها؟ كيف تم صناعتها؟ تتكون الريبوسومات من شيئين: (1) أنواع مختلفة من البروتينات، و (2) نوع آخر من RNA، و يدعى RNA الرسيبوسومي (rRNA). وبالتالي من أجل تصنيع الريبوسوم، يجب أن توجد أنواع معينة من البروتينات، ويجب أن يوجد الـ rRNA. بطبيعة الحال، لكي توجد البروتينات، يجب أن يكون الريبوسوم موجوداً بالفعل لتصنيعها. إذا كيف يمكنك معرفة بداية هذه الدائرة المفرغة؟ و ما الذي أتى أولا - الريبوسوم أم البروتين؟ من منها يصنع الأخر؟ بالطبع ليس هناك جواب لأن دائما ما يتتبع الواحد هذه الأمور في الأعضاء السابقين من نفس الفئة مثل مسألة الدجاجة و البيضة - حتى يختفي كل شيء في أفق الزمن.11

لاحظ مسيرة السببية حتى غروب الشمس فوق أفق الزمن. فالخيوط المتحدة من هذا النوع ليست عرضية في كتاب هوفستادتر: انهم جزء مصمم من موضوع الكتاب كله، و هو ما يعني أن العالم ممتليء "بحلقات غريبة." و سوف نعود إلى هذا الموضوع في وقت لاحق في هذه المقالة.

و لتلخيص ما وصلنا اليه في المناقشة حول المعلومات في الخلية، من الضروري أن نلاحظ أن تسلسل الأحماض الأمينية هو فقط المستوى الأول من بنية نقل المعلومات في جزيء البروتين. يتكلم علماء البيولوجيا الجزيئية عن أربعة مستويات للتركيب، و يعتبر هذا المستوى الأولي.  و التركيب الثانوي هو طي سلسلة البروتين في تكوينات هندسية مثل طبقات و سلاسل حلزونية. و المستوى الثالث من التركيب هو الشكل النهائي ثلاثي الأبعاد الذي يتخذه الجزيء. أما المستوى الرابع من التركيب فهو تجميع لأجزاء من الجزيء في تركيبات ثلاثية الأبعاد لها وظائف خاصة.  و يُعتقد أن جميع المستويات العليا من التركيب تتحد بشكل فريد على التركيب الأساسي، وذلك بسبب التفاعلات الكيميائية المعقدة الناتجة. و تعتبر المستويات العليا من التركيب هامة جدا في تحديد وظيفة الجزيء.  على سبيل المثال، عن طريق تكوين "جيوب" في التركيب حيث يمكن لتفاعلات معينة أن تحدث و هى ما تشكل الغرض الذي من أجله يتم صناعة الجزيء.   و بمعنى من المعاني، اذن، فإن الشفرة الأصلية في الـ DNA على الأقل تبتعد بمرحلتين عن الوظيفة النهائية (1) شفرات الـ DNA تمثل الأحماض الأمينية، و (2) و ترتيب الأحماض الأمينية يحدد التركيب المعقد المتجانس مع التفاعلات الكيميائية المطلوبة. و بسبب الاتصال المباشر بين تسلسل الرموز في الشفرة و التركيبات على مستوى أعلى، فإن خطأ واحد في التعليمات البرمجية يمكن أن يسبب تغيرات عميقة في وظيفة جزيء البروتين.

و يتضح ضمنا في هذا النقاش الخاص بتكوين البروتين، آلية النقل الأساسية المذهلة. كيف يتم الانتقال من داخل الخلية؟ فليس هناك حركة داخلية فقط مثل التي بين الحمض النووي و السيتوبلازم و لكن أيضا حركة نقل و اتصالات بين داخل الخلية و العالم الخارجي. و يكشف البحث الحديث أن آلية الاتصالات ذاتها تحدث عن طريق عملية غير مباشرة معقدة لنقل المعلومات. على سبيل المثال، تم وصف دور غشاء الخلية على النحو التالي:

بالإضافة إلى توجيه حركة النقل داخل وخارج الخلية... يتحكم غشاء البلازما في نظام اتصالات الخلية، و عملية تلقي الإشارات من البيئة الخارجية (بما في ذلك الإشارات من الخلايا الأخرى)، و إرسال رسائل من نفسها.

و تُحمل بعض هذه الإشارات بواسطة مرسلات كيميائية تسمى الهرمونات، و التي تدور في مجرى الدم و فيها تعليمات إلى الخلايا في أجزاء كثيرة من الجسم. و لأن هذه الهرمونات تصل إلى كل خلية مستهدفة، فإنها عادة لا تدخل الخلية، و لكن تبدا استجابات معقدة. و فقط عدد قليل من الهرمونات، مثل السترويدات... تستطيع أن تمر بالفعل من خلال أغشية الخلايا. معظم الهرمونات، على سبيل المثال، الأنسولين ... يعمل بتقديم إشارات لمستقبلات معينة على سطح الخلية. و من ثم فإن هذه المستقبلات تقوم بتفعيل نظام إرسال ثاني و الذي يأمر بالتغييرات المناسبة داخل الخلية. 12

لقد لمست مناقشتنا فقط سطح تعقيدات الآليات الحيوية في الخلية. هناك العديد من العضيات المتميزة و التي تشكل بنية الخلية. لكل منها وظيفة محددة جداً و تركيب معقد خاص و الذي تم كشفه الآن فقط لعلماء الأحياء. و إنه لن يكون من المستغرب أن نجد أن الحمض النووي هو واحد فقط من العديد من مصادر المعلومات المعقدة المماثلة و المسؤولة عن حياة الخلية.

و للتلخيص، من الواضح أن هناك نوعين من الهياكل التركيبية للمعلومات و التي تتجلى في الخلية. واحد منها، ممثلا في سلسلة نوكليوتيدات الحمض النووي، و يبدو أنه يحتوي على كميات هائلة من المعلومات الأولية؛ و هى المعلومات التي لا يمكن الحصول عليها من آليات السبب و النتيجة البسيطة (إلا من قبل عملية النسخ تقوم بتكرار معلومات موجودة سابقا). و الآخر، ممثلاً في البنية الهندسية العليا لجزيء البروتين، ويحتوي على معلومات ثانوية معقدة، وأي، المعلومات التي يمكن استنتاجها من قبل "قواعد النحو" من المعلومات الأولية. و يُفترض أن تكون قواعد النحو في هذه الحالة هى القوانين الكيميائية للتفاعل، و هى مماثلة للمثال المذكور سابقا عن حركة الكواكب و التي قدم قواعدها كبلر في قوانينه.  و تكمن أهمية المعلومات الثانوية هو أنها على ما يبدو تحتوي على مزيد من المعلومات في واقع الأمر: تضخم قناة المعلومات، إذا جاز التعبير، كما كانت في مثال مخطط بطليموس للكواكب.

إن ما يقوله والد و هويل حقاً هو أن ترميز الحمض النووي (وجميع مصادر المعلومات الأخرى في الخلية) هي في الواقع معلومات ثانوية فقط، و يكمن فيها كمية صغيرة من المعلومات الأولية ملقاه فيها، مثلما يمكن توليدها بشكل طبيعي بواسطة مليار سنة من الأحداث العشوائية. و كما رأينا في حساب الاحتمالات على فرصة تكوين جزيء بروتين بسيط، فإن هذا التأكيد لا يترك مجالا كبيرا جدا للمعلومات الأولية حتى بضع مئات من المعلومات الأولية المستقلة، المشفرة فقط بطريقة صحيحة و حرجة لوجود حياة، و سيكون من الصعب جدا الحصول عليها من خلال آليات الصدفة وحدها.

 

الهندسة الوراثية

و قبل ترك موضوع البيولوجيا الجزيئية، قد يكون من الجدير بالذكر أن نقدم بعض الحقائق عن الهندسة الوراثية التي لها صلة بوجهة النظر المسيحية لتفرد الحياة.   أثارت مسألة خلق حياة في أنبوب اختبار كل أنواع المشاعر عند المسيحيين، بدءا من الإنكار التام أن هذا أمر ممكن، إلى أن آثار هذه الجهود احتيالية بطبيعتها. في مكان ما بين هذين النقيضين هو الاستسلام للعلماء العلمانيين الذين يقولون ان الحياة لا تتطلب خلق خاص. و نقدم هنا بعض التعليقات حول الوضع الراهن للتقدم في مجال الهندسة الوراثية التي قد تساعدنا على التوصل إلى موقف بليغ حيال هذه المسألة.

تعتبر كمية الهندسة الوراثية الممكنة حاليا و التي تتم في واقع الأمر يومياً كبيرة. مفتاح الهندسة الوراثية هو معرفة المفتاح الوراثي، والقدرة على وصف كامل لتسلسل المفاتيح الوراثية اللازمة لإنتاج الجزيئات العضوية المعروفة (وغير معروفة). بالإضافة إلى ذلك، قد وضعت التقنيات أنه يمكن جعل الجين في "قطع" و إعادة ترتيبها لتشكل مفتاح جيني جديد. وتسمى هذه العملية ربط الجين13.  و هكذا، من الممكن تغيير الجينات بهذه الطريقة، وأدخالها في الخلية الحية، و جعل الجين المتغير يُستنسخ بدقة في الخلايا الوليدة، جنبا إلى جنب مع البروتين الجديد الذي تنطوي عليه بنية الجينات الجديدة. في الواقع، فإن استخدام خلية "المضيف" لبرمجة إنتاج DNA غريب هو شيء جديد في الطبيعة: وقد استخدمت بعض أنواع البكتيريا والفيروسات هذه التقنية منذ بداية الحياة.   و لكي تنجح، من الضروري فقط التغلب على بعض آليات الدفاع الموجودة في الخلايا مرة أخرى عن طريق الهندسة الوراثية أو غيرها من الإجراءات.

إن المخاطر المحتملة وكذلك المزايا المحتملة للهندسة الوراثية عميقة جداً.  في حين تنتج الكيمياء العادية مجرد مادة ربما قاتلة، فإن الهندسة الوراثية تنتج مادة قادرة على التكاثر الذاتي! هذه حقيقة، و ليس تخمين. وعلاوة على ذلك، لأن "الترقيع" يمكن أن يتم في مهد الحياة ذاتها، فإن هناك إمكانية لإنتاج كائنات كاملة، بما في ذلك البشر، مع تغيير عمدي للتركيب الجيني.

و الآثار اللاهوتية والأخلاقية لهذا تقشعر لها الأبدان و تثير شبح أشباه الانسان و الأعراق السائدة المهندسة جينياً، و لكن الهندسة الوراثية بأي حال من الأحوال تشكل عملية خلق للحياة.  وقد أدى القلق بشأن مخاطر الهندسة الوراثية لتأليف و كتابة المبادئ التوجيهية من قبل المعاهد الوطنية للصحة، و التي تنطبق على جميع البحوث التي تنطوي على جزيئات DNA في الولايات المتحدة. وقد بدأت المنافع المستمدة من الهندسة الوراثية بالفعل للوصول: الإنتاج الصناعي للأنسولين والهرمونات المختلفة، على سبيل المثال. 14

فهل يمكننا في نهاية المطاف إنتاج خلايا "حية" تتكاثر ذاتياً تماما من مواد غير حية؟ الإجابة على هذا تعتمد على عدة عوامل. أولا مسألة المعلومات: هو كل قوة الحياة مشفرة في خيوط الحمض النووي (أو بأشكال أخرى لم تحدد بعد)؟ إذا كان الجواب على هذا نعم، إذن فإن يمكن للفرد من حيث المبدأ تكوين خلايا تكاثر ذاتياً من مادة غير حية.   في الواقع، يمكن للإنسان من حيث المبدأ تكرير واحد من أشكال الحياة الموجودة. ربما لا يمكن لأي عالم اليوم معرفة ما إذا كان الجواب بالإيجاب أم بالسلب. ثانياً عامل التطبيق العملي. حتى إذا كان من الممكن فك شفرة الهيكل الكامل للخلية، فإنه سيكون من المحتمل معقداً للغاية لإعادتها. و يمكن الرجوع إلى حالة نموذجية في الملاحظة التالية.

يمكن للجينات... أن يتم توليفها، أو خلقها، مباشرة، حيث أنه يمكن استنتاج تسلسل نوكليوتيدات الجين من تسلسل الأحماض الأمينية في البروتين المنتج. و قد نجح هذا الإجراء بشكل جيد للبروتينات الصغيرة مثل هرمون تنظيم النمو السوماتوستاتين و التي لها امتدادات قصيرة نسبيا من ترميز الحمض النووي. و لكن السوماتوستاتين هو بروتين صغير، فقط مكون من 14 من الأحماض الأمينية في الطول. و مع ثلاثة نيوكليوتيدات لترميز لكل حمض أميني، وجب على العلماء تجميع سلسلة DNA من 42 من النيوكليوتيدات لإنتاج هرمون كامل. و بالنسبة للبروتينات الأكبر، يصبح نهج توليف الجينات غير عملي للغاية و بشكل سريع.15

ولذلك يبدو على الأرجح أن أشكال الحياة الجديدة سيتم تكوينها من الأشكال القائمة بدلاً من الإنتاج المباشر من مواد غير حية.

و للمضي قدماً بالاستقصاء خطوة واحدة أبعد من ذلك، قد يكون من الممكن تغيير إحدى أشكال الحياة لشكل آخر عن طريق الهندسة الوراثية. فعلى سبيل المثال، هل يمكن أن "نوع" من الحياة يتم تحويل طبيعته إلى آخر عن طريق الهندسة الوراثية، أرنب إلى كلب (أو أيا كان آخر مما قد يقوم بالإساءة للمشاعر الدينية للفرد)؟ للقيام بذلك، سيتطلب بالطبع وصف دقيق للمعلومات الخلوية في كل نوع و هو أمر محير للعقل، على ما يبدو. و هذا، أيضا، يبدو من المستبعد جدا.

ولكن كل هذه التكهنات تعتبر خارجة عن الموضوع بطريقة شديدة: فتكرار هيكل قائم بالفعل مع الاتجاه الذكي هو شيء و لكن إنتاج مثل هذا الهيكل من دون استخدام نشاط ذكي هو أمر آخر تماما. وهذه ليست سوى مسألة الخلق مقابل التطور.   فصنع جهاز كمبيوتر رقمي على مثال ما فعله شخص آخر ليس مثيراً بقدر صنع جهاز كمبيوتر للمرة الأولى. هكذا أيضا مع الحياة. من أين أتى الترتيب الدقيق الأصلي لهياكل الحياة؟ يقول العلمانيون انها جاءت من آليات الصدفة بالإضافة إلى بعض القوانين الأبدية (معظمها لا يزال غير مكتشف). و يقول المسيحيون انها جاءت من عقل الله.

 

حدود المعرفة و التأثير على الفكر العلماني

اعترف كلا من هويل و والد باللاإحتمالية الشديدة أن يكون العالم الملحوظ قد حدث عن طريق الصدفة، ولكن في نهاية المطاف افترضا قوانين أو آليات غير معروفة للقيام بهذا العمل الفذ المستحيل. و قد يميل الواحد لإنهاء المزيد من الحوار برمته، و يقول: "ما الفائدة؟" حيث أنه سيتم الاعتراف بأي صياغة لحجة منطقية ومن ثم يتم تجاهلها فورا. ومع ذلك، يمكن تقديم أمثلة لإظهار أن الحجة المتأنية ليست مضيعة للوقت، حيث سيكون هناك بعض الذين يراقبون حقائق الحياة و (مثل سي اس لويس) هم أمناء فكرياً و حساسين بما يكفي لرؤية ضرورة استنتاجنا.  و فيما يتعلق بمحادثته، كتب لويس:

على الاقل فإن الابن الضال ذهب إلى منزله ماشياً على قدميه. لكن من يستطيع حسب الأصول أن يعشق هذا الحب الذي سيفتح بوابات العلى لضال إُحضر متوقعاً عقاب، و في صراع، و استياء، و مندفعاً بعينيه في كل اتجاه للحصول على فرصة للهروب؟ 16

فبالنسبة لهؤلاء الناس تثبت أهمية جهودنا.

هناك عنصر غريب في كل هذا. فبالنسبة لشخص كان يدرس أن العلم منطقي بشكل دقيق، و استنتاجي و عقلاني، قد يبدو غريباً أن علماء مثل الذين نقلنا عنهم هنا قد صاغوا المعضلات ذلك على وجه التحديد إلا أنهم فشلوا في اتخاذ الخطوة التالية الواضحة أي الاعتراف (أو على الأقل قبول احتمال) أن الله وراء كل ذلك. ومع ذلك، فإن هذا السلوك الغريب هو في الواقع متسق مع الحالة الراهنة للعلوم، و التي هي بعيدة كل البعد عن أيام شيرلوك هولمز وتوم سويفت الساذجة.

قبل الحرب العالمية الأولى كان يعتقد الكثيرون أن البحث العلمي و عملية الاستنتاج يمكن أن تحل في نهاية المطاف أي غموض و تفسر أي تناقض واضح.   لم يعد هذا الاعتقاد مقبولاً من العلماء. فقد نالت العلوم العقلية في القرن العشرين ضربات مميتة بينما كانت تكافح للتغلب على عوالم الرياضيات و العلوم.   تأخذ هذه الجروح شكل حواجز للمعرفة التي لا يمكن اختراقها، الآن أو في أي وقت.   تتكون الحواجز من قوانين أو نظريات، و لا يمكن الشك في الحق الكامن فيها، و التي تمنع العالم من الحصول على فهم كامل للموضوع قيد التحقيق. و سنناقش بعض الأمثلة على هذه القوانين في الفقرات التالية.

مبدأ عدم اليقين لهايزنبرغ هو القانون الذي يحد من قدرة الفيزيائي للتحقيق في البنية على المستوى دون الذري وما دونه. في الأساس، وهذا المبدأ يقول أنه لا يمكن أن ننظر في شيء تحت مستوى الذرة دون تدمير بنيته، بحيث أن ما شوهد ليس نفس ما كان هناك قبل الملاحظة. وبسبب هذا، يتكون البحث في مثل هذه المستويات ملاحظات غير مباشرة و استنتاجية. هذا هو السبب أن هذه البحوث تبدو و كأنها تتضمن تفجير الأشياء إرباً و هو أعرب عنه المصطلح، "محطم الذرة." ما رأيك في مهندس معماري عظيم الذي يشرع في دراسة تاج محل بتفجيره لقطع؟ على الأقل، سيتم فقدان الكثير من التفاصيل في هذه العملية.

و تعتبر نظرية عدم الإكتمال لجويدل بالنسبة للمنطق و الرياضيات مثلما كان مبدأ هايزنبرغ لعدم اليقين بالنسبة للفيزياء، و لكن لأن الموضوع هو المنطق الأساس الحقيقي للمناقشة العقلانية، فقد يكون الأثر أكبر من ذلك. و تنص نظرية عدم الإكتمال لجويدل أنه من المستحيل لبناء نظام مبني على البديهيات (مثل المنطق، والهندسة، وقواعد الرياضيات) بحيث أن جميع النظريات الحقيقية عن النظام يمكن اثباتها داخل النظام (أي أن النظام كامل) و في نفس الوقت يمكن أن يتم اظهار النظام على أنه لا يحتوي على تناقضات ذاتية (أي أن النظام ثابت). و بالمصطلحات العامية تقول نظرية جويدل هذا: لديك خيار إما (1) يمكنك الإجابة على الأسئلة التي تريد الإجابة عنها مع خطر التعرض للتناقض الذاتي، أو (2) يمكنك أن تكون خالي من التناقض و تكون قادر على الإجابة على جميع الأسئلة التي تريد الإجابة عليها. لا يمكن أن تكون ثابت و كامل في نفس الوقت. أو، بطريقة أخرى، لا يمكنك أن تكون منطقياً تماماً.  فبعض الحقائق التي تعقد فيها لن تكون قابلة للاستنتاج؛ يجب عليك الخروج عن نظامك لتثبتها.

كيف يؤثر ذلك على المسيحية الإنجيلية في محاولة للوصول إلى عالم حديث؟ تأثيراً عميقاً. فقد توصل العلماء إلى توقع التضارب في حياتهم. في الواقع، في العلم الحديث،  كانت علامة للرقي أن ندرك أن مثل هذه الأمور لا مفر منها. ولعل هذا ما يفسر جزئيا "الفقر الفلسفي لعصرنا" الذي أشار اليه والد في الاقتباس أعلاه. في السعي نحو المعرفة (الاكتمال)، كان كثير من العلماء على استعداد للتخلي عن الاتساق و الثبات. في الواقع، انهم حصلوا على راحة و دراية بعدم الثبات و الاتساق كما هو الحال مع زوج قديم من النعال. من هذا المنطلق، ينظرون إلى المدافع المسيحي بذهول، ينسبون له نقص الرقي و الذي يشير إلى سذاجته.  هذا بدوره تحول غريب للأحداث. كان من المعتاد اتهام المسيحيين بأنه غير عقلانيين؛ الآن هم متهمون بأنهم عقلانيون!

و تم العثور على التعبير الحالي الممتاز (ربما المفرط في التعبير) من وجهة النظر العلمية الحديثة في كتاب هوفستادتر الذي تم ذكره في وقت سابق. و هنا يحمل المؤلف إلى حد منطقي الحالة الفلسفية للحياة في ظل عدم اليقين و عدم الاكتمال، بحيث يصبح المشكوك فيه هو الطبيعي و عدم الثبات و الاتساق وسيلة للحياة. و مع ذلك، تم نسج الكتاب بخيط سميك من الصوفية الشرقية، و التي تتميز بالأقوال غير المعقولة المعروفة باسم الزِنْ كوآن (زِنْ هي طائفة من الماهايانا البوذية يابانية و يتميز أتباع هذا المذهب بممارسة التأمل في وضعية الجلوس و بكثرة تداولهم للأقوال المأثورة والعِبر (كوآن).). ومع ذلك، في شرح "ماهيتها حقا،" يقدم هوفستادتر بعض الأفكار المدهشة.

 

و هذا الاعتراف بعدم الاكتمال هو الذي يجعل من السهل على هويل، و والد وغيرهما لاستدعاء "قوانين طبيعية مجهولة" دون الشعور بالحرج.

و أحد الحدود النهائية للمعرفة المرتبط بمسألة اكتشاف العمليات الحيوية يتعلق بمشكلة فك الشفرات. أولا، أنه من الممكن تشفير المعلومات بطريقة لدرجة أن النتيجة ستبدو لا يمكن تمييزها عن الضجيج العشوائي. قد تحتوي قناة على معلومات في تسلسل من الرموز تبدو عشوائية و بلا معنى، و لا يمكن فك شفرتها مهما كانت مهارة الشخص الذي يحاول ذلك.  ثانيا، و هو أكثر إحباطا، من الممكن لأسلوب الترميز المحدد أن يتم الكشف عنه و لكن لا تزال الشفرة لا يمكن كسرها. هذه الحقائق، التي صدرت في السنوات العشرين الماضية، تشكل الأساس لما يسمى الشفرات "المفتوحة"، و التي فيها تعتبر خوارزمية التشفير و الرسالة المشفرة متاحة علنا على حد سواءللتدقيق، إلا أن الرموز غير قابلة للكسر ما لم يملك أحد ما المفتاح المحدد (و التي قد تكون فقط بضع كلمات في الطول). وقد نشر المكتب الأمريكي للمعايير مؤخرا معيار تشفير البيانات و الذي يتضمن هذه الاكتشافات، و يمكنه في نهاية المطاف إزالة الحاجة لما يزيد عن الحد الأدنى من الإجراءات الأمنية لتوفير الحماية للمعلومات المشفرة. 17

و من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه بالإضافة إلى أن الجينات تحتوي على التسلسل الجيني الرئيسي المعروف  و الذ تم فك شفرته، تحتوي جزيئات DNA أيضا على مقاطع طويلة من "المقاطع الصامتة" التي ليس لها معنى معروف. لنفترض أن هذه المقاطع تحتوي على معلومات وراثية مشفرة لبعض العمليات التي تستمر بالإضافة إلى تشكيل البروتين. هذه النتائج الخاصة بنظرية الترميز و الموضحة أعلاه تشير إلى أنه من الممكن تماما أن المعلومات قد يكون تم ترميزها بطريقة لن يستطيع العلماء على فك شفرتها. و النقطة هي أن الله يمكنه، إذا أراد، وضع كافة المعلومات الوراثية للحياة على مرأى و مسمع من العلماء، دون أدنى خطر من كشف السر الذي يفك شفرة العملية. و ما يعنيه هذا بالنسبة لجزيء DNA هو هذا: حتى إذا كان حقاً يحتوي على جميع المعلومات الوراثية المشفرة فيه، و حتى لو كان العلماء قادرين على إعادة شكله المحدد، و حتى لو كان العلماء يعرفون كل قوانين الطبيعة المستخدمة لترميز جزيء DNA، قد يكون لا يزال من المستحيل تماماً لخلق أشكال حياة جديدة خارج الأنواع و الاختلافات الموجودة بالفعل، أو حتى قراءة جميع المعلومات الوراثية لجزيء الـ DNA.

 

ملخص

قامت الأبحاث الوراثية في العقود القليلة الماضية بأمور لا تذكر لتقوم بتآكل وجهة النظر المسيحية عن الله كالخالق و أشكال الحياة كأعلى دليل على عمل يديه الخالقة. و تفضل الأدلة الرأي القائل بأن العمليات الحيوية الابتدائية تنطوي على كم هائل من المعلومات الأولية، أكثر بكثير مما يمكن عزوها بصورة معقولة للصدفة العشوائية. و الطريقة الوحيدة لتجنب هذا الاستنتاج هو قبول وجود قوانين طبيعية غير معروفة لديها قوة كافية بالإيمان لمراعاة هذه المعلومات، على سبيل المثال، لحساب التشكيل الأصلي لتسلسل شفرة الجين. في غياب مثل هذا الإيمان، ليس هناك وقت كاف (عن طريق حساب أي إنسان) و لا مواد كافية في الكون المرئي كله لإنتاج الحياة كما نعرفها.

و كما هو معروف عن كم التعقيد في عملية تشكيل الجزيئات الجينية والبروتينات، لا تزال هناك فجوات كبيرة غير معروفة في فهم، و هوية الوسط الذي يحتوي على الكثير من المعلومات الواضحة في الخلية (مثل آليات نقل التحكم). و بسبب حجم وتعقيد القنوات المعروفة للمعلومات (الـ DNA، وما إلى ذلك)، يبدو من غير الممكن جداً أن البشرية ستكون قادرة على تجميع الحياة من مواد غير حية، حتى لو كانت جميع المعلومات اللازمة من حيث المبدأ متاحة في التركيب الجزيئي لأشكال الحياة الموجودة.

المراجع

1 (صفحة 3). جورج والد، "أصل الحياة"، مجلة ساينتفيك أمريكان (أغسطس 1954)، وأعيد طبعه في الأساس الكيميائي للحياة (سان فرانسيسكو: و هـ فريمان، 1973)، ص 9-17.

2 (صفحة 7). آثار الوراثة التطبيقية: الكائنات الحية الدقيقة، النباتات و الحيوانات، تقرير مكتب تقييم التكنولوجيا لكونغرس الولايات المتحدة (واشنطن، DC: مكتب الطباعة الحكومي، 1981)، و خصوصاً. الفصل 2؛ انظر أيضا مايا بينس، داخل الخلية (واشنطن، DC: مكتب الطباعة الحكومي، 1979).

3 (ص 8-9). المصدر: مكتب تقييم التكنولوجيا.

4 (ص 9). باين، داخل الخلية، ص 29.

5 (ص 10). آثار الوراثة التطبيقية، ص 38.

6 (ص 10). فريد هويل، عشرة وجوه للكون (سان فرانسيسكو: فريمان، 1977)؛ تم اقتباس الفقرات من ص 158، 79، و 163، على التوالي.

7 (ص 14). والد "أصل الحياة"، ص 14.

8 (ص 16). دوجلاس ر هوفستاتر، جوديل، ايشر، باخ: الشريط الذهبي الخالد (نيويورك: الكتب الأساسية، 1979)، ص 504 و ما بعدها.

9 (ص 17). المرجع نفسه، ص 162.

10 (ص 18). جيمس م. أورتين و أوتو و نيوهاوس، الكيمياء الحيوية للإنسان الطبعة 9. (سانت لويس: س ف موسبي، 1975)، شكل 3-17، ص 63.

11 (ص 18). هوفستادتر، جوديل، ايشر، باخ، ص 528.

12 (ص 19). باين، داخل الخلية، ص 75.

13 (ص 20). آثار الوراثة التطبيقية، ص 39-41.

14 (ص 21). المرجع نفسه، ص 61 و ما بعدها.

15 (ص 21). المرجع نفسه، ص 41.

16 (ص 22). س اس لويس، مندهش من الفرح (نيويورك: هاركورت، بريس و ورلد، 1955)، ص 229.

17 (ص 24). تشفير البيانات المعياري، فيبس للنشر 46، قسم التجارة الأمريكية، المكتب الوطني للمعايير، 1977.