Research Report #12 (1983)

نظرية خَلقية، بديل مقترح للتطور

روبرت ج دونزويلير

معهد اللاهوت الكتابي

حقوق التأليف والنشر 1983 لروبرت ج دونزويلير. جميع الحقوق محفوظة.

أُلقيت أصلا كسلسلة محاضرات الخريف

كلية فيلادلفيا للكتاب المقدس 1-4 نوفمبر، 1971

الملخص

هذه سلسلة من أربع محاضرات التي تقترح طريقة لتوليف البيانات الكتابية والعلمية المتعلقة بطبيعة عمل الله كخالق في نظرية خَلقية موحدة كبديل لنظرية التطور. في المحاضرة الأولى يتم عرض قضية للحاجة لمثل هذا البديل و يتم إجراء مسح / و تقييم لمختلف الآراء التي تتبني فكرة الخلق. في المحاضرة الثانية، يتم اقتراح مخطط ملخص لأحداث الخلق في سفر التكوين 1-2، و دمج البيانات الكتابية و العلمية. في المحاضرة الثالثة، يتم تحليل مشكلة العلاقة الصحيحة للتسلسل الزمني بحسب الكتاب المقدس و العلم و يتم اقتراح إطارا زمنيا لهيكلة نشاط الله الخلاق. في المحاضرة الرابعة، يتم استكشاف مسألة معنى كلمة "أجناس"، و تتم مراجعة سجل الحفريات، و يتم تقديم مقترح لتجميع بيانات الكتاب المقدس و بيانات علم الحفريات و الذي فيه تقدم هذه السجلات لنشاط الله الخلاق وضوحاً متبادلاً.

ملاحظة المحرر

على الرغم من إتفاق الكاتب مع البيان العقائدي لمعهد بحوث الكتاب المقدس القائمة على تخصصات عديدة (IBRI)، إلا أن هذا لا يعني أن جميع وجهات النظر التي دونها الكاتب في هذه المقالة تمثل المواقف الرسمية للمعهد. و حيث أن إحدى أهداف سلسلة التقارير التي ينشرها معهد IBRI، هو أن تكون بمثابة منتدى للمناقشة قبل الطباعة، لذلك فمن المحتمل أن يكون الكاتب قد نقح بعض جوانب هذه المقالة وقام ببعض التعديلات فيها، منذ أن قام بكتابتها لأول مرة.

ISBN 0-944788-12-2


 

المحاضرة الأولى

نظرية الخَلقية، البديل المقترح للتطور

يعتبر مذهب التطور عرضاً للواقع الذي يرى أن العمليات الطبيعية، التي تعمل حصراً عن طريق القوى الطبيعية، هي المسؤولة عن النطاق الكامل من الظواهر الفيزيائية و الكيميائية و البيولوجية و النفسية، و السوسيولوجية التي تشكل تاريخ الكون.

عادة، عندما نفكر في التطور نفكر في جانب واحد فقط الجانب البيولوجي. ومع ذلك، و كما يشير السير جوليان هكسلي في كتابه Evolution in Action التطور النشط، من المفهوم أن العملية الكلية بمعناها الشامل تشمل ثلاث مراحل رئيسية: المرحلة غير العضوية (أو الكونية)، و العضوية (أو البيولوجية)، و الإنسانية (أو النفسية - الاجتماعية)1.   وبالتالي فإن مذهب التطور يرى أن عملية التطور عملية شاملة، جامعة للكل و عالمية.

و بالقيام بالتحليل، يمكن أن ننظر لاحتواء هذا الرأي للعديد من المقترحات التأسيسية:

(1) إما أن المادة أزلية أو أنها ببساطة، و من حد ذاتها، جاءت إلى حيز الوجود.

(2) لقد تطورت البنية المعقدة للكون المادي من الحالة غير المنظمة البسيطة من المادة البدائية.

(3) تطورت المادة الحية من المادة غير الحية.

(4) جميع الكائنات الحية - سواء الوحدانات (مملكة بدائيات النوى)، الطلائعيات أو النباتات أو الحيوانات - تطورت من أبسط الكائنات الحية.

(5) تطور الإنسان من الحيوانات.

(6) كل من العمليات المذكورة أعلاه حدثت عن طريق عملية عشوائية من قوى طبيعية موجودة سابقا.

و فيما يتعلق بموضوعنا، أود أن أشير إلى حقيقة أنه هناك أسباب وجيهة تدعونا للحاجة لوجود بديلاً لمذهب التطور. أحد هذه الأسباب هو أن مذهب التطور يدعي بأنه هو التفسير الوحيد المعقول و الموثوق به لأصل و تطور الكون، الحياة، و الإنسان، وأن أي تفسير آخر لا يستحق النظر.  و لإثبات هذه التهمة، من الضروري فقط أن نقتبس من عدد من الكتّاب الذين يعبرون عن أنفسهم في هذه النقطة. فعندما كان هوراشيو هاكيت نيومان، أستاذ فخري في علم الحيوان في جامعة شيكاغو، كتب:

من ثم، فإن طبيعة الدليل على التطور العضوي، هى كالتالي: أن استخدام مفهوم التطور العضوي كفرضية فعالة كان من الممكن لها تبرير و توضيح مجموعة واسعة من الظواهر المرئية، الوقائع الحقيقية التي يقوم عليها التطور. ... ليس هناك تعميم آخر معروف للإنسان أقل قيمة في تقديم أي نوع من الترابط العلمي و الوحدة لهذه الحقائق. و بعبارة أخرى، تعمل الفرضية الفعالة و بالتالي فهي مقبولة كحقيقة حتى تسقطها فرضية أكثر عملية. فالامر لا يقتصر على عمل الفرضية، ولكن مع التراكم المستمر للمزيد من الحقائق، أصبح ثقل الأدلة الآن كبير بحيث يتغلب المنادين بها على كل معارضة عقلية. لا توجد فرضيات متنافسة باستثناء الفكرة البالية و التي فُندت تماماً و الخاصة بالخلق الخاص، و التي يتمسك بها الآن الجاهل، و المتحجر فكرياً و المتعصب.2

وهناك سبب آخر للحاجة لبديل لمذهب التطور و هو أن مذهب التطور يواجه حالياً مشاكل مستعصية تقريباً فيما يتعلق بمسألة التفسير السببي لأصل المادة، و أصل الحياة، و مسألة الأدلة الكافية لمعطياتها، و مسألة الآلية الكافية لإنتاج عائلات و رتب و أصناف و شعب جديدة من الكائنات الحية. و إذا لا يمكنها أن تقدم إجابات و حلول لهذه الأسئلة والمشاكل، فإنه لا يبدو دقيقاً علميا، و معقولاً منطقياً، أو مسؤولاً أخلاقياً لتقديم مثل هذه الادعاءات المبالغ فيها و غير المتواضعة عن نفسها، و التنديد بشدة بكل معارضة بأنها جاهلة، و متحجرة فكرياً و متحاملة!

ومع ذلك، فإن السؤال المطروح الآن هو لماذا كان هناك الحاجة إلى البديل الخلقي لمذهب التطور. أحد الأسباب التي تتضح لنا على الفور هو أنه من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، فصل المعتقدات الدينية والمعتقدات العلمية المتضاربة بشكل دائم في العقل. و بدون التوفيق بينهم، فإن مجموعة معتقدات تميل في نهاية المطاف إلى تدمير المجموعة الأخرى. و للأسف، عادة يتم التضحية بالمعتقدات الدينية على مذبح العقيدة العلمية. و في مثل هذه الأيام من تزايد الصراع بين الدين و العلم، هناك حاجة ماسة لبديل يجمع المعتقدات الدينية مع المعتقدات العلمية. هناك العديد من الطلاب و المعلمين و العلمانيين و القساوسة، الإكليريكيين والأساتذة والعلماء واللاهوتيين، الذين يبحثون عن توليفة كفؤة متماسكة و مسؤولة تشمل كلا من المعتقدات الدينية والمعتقدات العلمية في تكاملها.

والسبب الثاني وراء أعتقادي أن هناك ثمة حاجة إلى البديل الخلقي لمذهب التطور هو كوني مسيحي، أعتقد أن الكتاب المقدس هو الحكم الوحيد المعصوم و الصادق للإيمان و الحياة، و هو يعلّم عدد من الحقائق المتعلقة بأعمال الله كخالق. و حيثما يتكلم الكتاب المقدس فيما يخص المسائل التي تؤثر على الأسئلة العلمية، يتوجب على المسيحيين أن يكونوا على استعداد للاستماع. و بالطبع، أنا أدرك أن هذا الرأي لم يقبله دائما جميع المؤمنين، كما هو واضح في الاقتباس من دفاع أوغسطينوس ضد المانويين. فقد أعلن: "لم نقرأ في الإنجيل أن الرب قال:"أرسلت لكم المعزي الذي سيعلمكم عن سير الشمس و القمر،" لأنه يريد أن يقيم مسيحيين، لا رياضيين."3

 ويعلق هيرمان بافيناك على قول أوغسطينوس، مشيراً إلى أنه عندما يتصل الكتاب المقدس، ككتاب دين، مع العلوم الأخرى، فهو يسلط الضوء عليها، و لا يتوقف فجأة عن كونه كلمة الله ولكن يظل هكذا. ثم أضاف:

  عندما يتحدث عن أصل السماء والأرض، فإنه لا يعرض قصة أو أسطورة أو خيال شعري وفي ذلك الحين، وفقا لنية واضحة، يعرض التاريخ الذي يستحق الإيمان والثقة. ولهذا السبب، فإن اللاهوت المسيحي، ولكن مع استثناءات قليلة، قد تمسك بالنظرة التاريخية الحرفية لرواية الخلق.4

و لكن مازال هناك سبب ثالث وراء الحاجة إلى البديل الخَلقي لمذهب التطور. واعتقد جازما أن البديل الوحيد المتسق، و المتماسك لمذهب التطور هو الخلقية. فالخلقية وحدها تجيب على سؤال الأصل المطلق و النهائي للمادة و الحياة؛ و الخلقية وحدها تفسر أوجه التشابه التي تشكل أساس الأدلة المزعومة للتطور في التشريح المقارن، و علم وظائف الأعضاء المقارن أو الكيمياء الحيوية و علم الأجنة، و الأعضاء الضامرة، و التصنيف، والتوزيع الجغرافي، وعلم الوراثة، و علم المتحجرات أو الاحياء القديمة، و الأنثروبولوجيا المادية و الثقافية، و الخلقية وحدها تمدنا بمعرفة آلية كافية لظهور أنواع جديدة من الكائنات الحية. اسمحوا لي أن أقول أنني لا أعتقد أنه لا ينبغي على أي مسيحي في أي وقت أن يخجل أن يكون، أو أن يدعى، تابع لنظرية الخلقية.  و بطبيعة الحال، أقول هذا لأنني أعتقد أن الخلقية ليست فقط أفضل وجهة نظر لاهوتياً، ولكنها أيضاً أفضل وجهة نظر علمياً! و من ناحية أخرى، أعتقد أن المسيحي الذي يختار أن يبقى في جهل متعمد بالنسبة للحقائق الكتابية ذات الصلة أو الحقائق العلمية التي تمكن الوصول إليها، يجب أن يشعر بالخجل، وليس الفخر! لأنه كيف يمكن لمثل هذا المسيحي إطاعة الوصية في 1 بط 3: 15 - "بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ".؟

 و بعد أن توصلنا إلى هذا الحد، من الضروري لنا أن نتوقف و نتأمل فيما وصلنا إليه.  بدأنا بتعريف لمذهب التطور، و عرفنا العناصر العديدة المكونة له. و من ثم، اقترحنا أسباب الحاجة لبديل لمذهب التطور، و خصوصا بديل الخلقية. و لكن ما هى الخلقية؟ يجب علينا الآن تقديم تعريف لها.

الخلقية هى وجهة النظر الواقعية التي تقول أن الله الثالوث، موظفاً قوى طبيعية و قوى خارقة للطبيعة، فضلا عن علل ثانوية، لغرض تمجيد نفسه، قد خلق أو أوجد الكون وكل ما فيه، سواء كان ماديا أو غير مادياً، و هو يحفظ، أو يجعل كل شيء مستمراً في الوجود، وفقا لمسيرة مشئيته.

للأسف، و بعد أن قلنا هذا كثيراً، نكتشف أننا لم نقل ما فيه الكفاية. لأن هناك عدة آراء لنشاط الله الخلاق، و كل واحد منها يدعي أنها وجهة النظر المسيحية! و الآن، كلما كان هناك وجهات نظر عديدة مختلفة عن بعضها البعض، فالبديهية المنطقية القابلة للتطبيق هي كالتالي، على الرغم أن واحدة منها قد تكون صحيحة، إلا أن كلها لا يمكن أن تكون صحيحة. بل ومن الممكن أن تكون جميعها غير صحيحة، أو أن بعضها تحتوي على عناصر صحيحة. و على الرغم من أن محدودية نطاق هذه المحاضرات تمنع المناقشة المستفيضة لتلك الآراء عن النشاط الله الخلاق و التي يتبناها المسيحيون من وقت لآخر، فربما إشارة وجيزة لوجهات النظر تلك تكون في محلها.

و عند فحصها، يبدو أن تلك الآراء التي ادعت أنها تتبع نظرية الخلقية، تقع في واحدة من أربعة أنواع أساسية، على النحو التالي:

(1) وجهة النظر الخلقية غير العلمية - وتشمل هذه الفئة تلك الآراء التي تنظر إلى رواية الخلق في سفر التكوين على أنها أسطورية أو رمزية، و تلك التي تعتبر رواية سفر التكوين كرواية مصوِرة-معلِنة لرؤى موسى خلال ستة أيام متتالية، و تلك التي قدمت أحداث الستة على أنها مرتبة في إطار غير زمني، سواء ترتيب موضعي، منطقي أو أدبي. و على الرغم من أن هذه الآراء تختلف بعضها البعض في العديد من النقاط، إلا أنها تتفق في اثنين من التأكيدات الحاسمة. التأكيد الأول لكل شكل من أشكال الآراء الخَلقية غير العلمية هو أن العلم و اللاهوت مجالين متمايزين، و أن اي صراع بينهما تتم تسويته عند بقاء كل منهما في حدوده المناسبة. و التأكيد الثاني هو أن في الأصحاح الأول من سفر التكوين يقدم لنا المؤلف قصة الخلق. و لم تكن نيته تقديم تقرير دقيق لما حدث، و لكن لإقناع القارئ بحقيقة أن كل ما هو موجود قد خلقه الله.

(2) رأي المؤمنون بالله و التطور و تشمل هذه الفئة تلك الآراء التي ترى أن الله، بعد أوجد المادة الأولية للكون، وبعد أن خلق المادة الحية، و شرع لخلق جميع أشكال الحياة باستخدام توسط، بمعنى، أنه من خلال توظيف عملية التطور كالطريقة التي استخدمها في عمله. و يرى بعض الذين يعتنقون هذا الرأي أن خلق الإنسان كان جزءاً من هذه العملية، في حين يرى البعض الآخر، أنه بسبب طبيعته الروحية، يجب أن يُنظر للإنسان على أنه نوع من الخلق الخاص. و يعتقد معظم أنصار هذا الرأي الأخير أنه، على الأقل، فإن نفس الإنسان يجب أن تكون خليقة خاصة من الله.

(3) الرأي العلمي الخلقي يؤمن مختلف الأشخاص الذين يقولون بهذا الرأي، سواء كانت "الخلقية التقدمية"، "عتبة التطور"، أو ببساطة "الخلقية العلمية"، أن الله خلق المادة البدائية، المادة الحية، كل "الأنواع" الأساسية من الكائنات الحية، و الإنسان، كخليقة خاصة. و نقاط الإختلاف العديدة بينهم تنشأ من إختلاف النهج و أساليب تفسير و ربط البيانات الكتابية ذات الصلة أو البيانات العلمية أو كليهما.

(4) الرأي ضد-العلمي الذي ينادي بالخلقية و تشمل هذه الفئة الأخيرة كل الآراء التي ترفض الاستنتاجات، و المنهجية، أو معطيات العلم التي تقول أنه قادر على تقديم مساهمة كبيرة في تفسير تلك البيانات الكتابية ذات الصلة بمذهب الخلقية. و بالتالي تلك الآراء التي تنادي بتاريخ حديث لعمر الكون، والأرض، للحياة، و للإنسان؛ و التي تؤكد على مبدأ "ثبات الأنواع"، أي عقيدة الاستحالة المتأصلة في نوع ما أن يؤدي إلى التطور لنوع آخر؛ أو التي تؤكد على فيضان نوح كتفسير مناسب و ملائم لوجود و تسلسل الطبقات الرسوبية من الصخور في العمود الجيولوجي، كلها تقع ضمن هذه الفئة. لكن، وكما ذكرنا سابقا، فإن ابرز سماتها هو رفضها لبيانات و ملاحظات العلم كوسيلة مساعدة لفهم أفضل للبيانات الكتابية ذات الصلة.

و عن طريق التحليل النقدي لجانب واحد لهذه الأنواع الأربعة الأساسية من الآراء عن نشاط الله كخالق، من المفيد و المثير للاهتمام أن نلاحظ المواقف التي اتخذها كل رأي من هذه الآراء تجاه البيانات الكتابية من جهة، و البيانات العلمية من الجهة الأخرى. و لا تأخذ وجهة النظر الخلقية غير العلمية بعين الاعتبار البيانات العلمية، في حين وفقا لهم هم لهم سلطة مستقلة في مجالهم الخاص، و لا ينصفوا البيانات الكتابية أو يقتبسون منها الجوانب العلمية. لا عجب أنه لم يبق لنا سوى الأساطير، و الصور، أو الأطر الفارغة، التي يتم فيها الفصل بين الوحي و التاريخ!

و يأخذ رأي المؤمنون بالله و التطور البيانات العلمية على محمل الجد، ولكنه يفعل ذلك دون تمحيص أو نقد لدرجة الإساءة إلى تفسير الكتاب المقدس. و بالتالي فإنه يرتكب خطأ قلب الأولويات، لأنه يجعل الفهم الناقص للبيانات العلمية تسيطر على تفسير الكتاب المقدس.

و يأخذ الرأي العلمي الخلقي من كل من الكتاب المقدس و البيانات العلمية في تكاملها، و بعد ذلك يحاول جعل توليفة منهما. و تكمن المشاكل الرئيسية فيما لا يقل عن أربعة اتجاهات: (1) مشكلة الحفاظ على الترتيب الصحيح للأولويات. (2) مشكلة كمية الثقل التي تُمنح للبيانات العلمية حيثما تتحمل تلك البيانات على الفهم اللاهوتي. (3) مشكلة اليقين النسبي لفهمنا للحقائق الكتابية من جهة، و فهمنا للحقائق العلمية من جهة أخرى؛ و (4) مشكلة تحقيق التوازن الدقيق بين تفسير هاتين المجموعتين من البيانات. ومع ذلك، فإن هذه المشاكل ليست عقبات لا يمكن التغلب عليها. و تعتبر ببساطة ضمانات منهجية، التي يتوجب على أنصار هذا الرأي أن يلاحظوها بحذر.

و على الرغم من أن الرأي ضد-العلمي الذي ينادي بالخلقية يحاول أن ينصف بيانات الكتاب المقدس، إلا أنه لا ينصف البيانات العلمية، لكنه يرفضها بنشاط أو يعيد تفسيرها بشكل ملفت. ونتيجة لذلك، فإنه لا ينصف أي منهما. و بعد أن رفض هذا الرأي وحى الله العام في نشاط الخلق هذا كمصدر ممكن للحقيقة، و ذلك لصالح مثل مفترض لفهم موضوعي، مؤكد، و واضح لوحي الله الخاص في الكتاب المقدس، و لا بد لهذا الرأي أن يتسم بتشويه و إضعاف لحقيقة عقيدة الخلق. و بعد أن بدأ بإنكار القيمة اللاهوتية لوحي الله في الطبيعة، ينتهي الرأي ضد-العلمي الذي ينادي بالخلقية بإساءة تفسير وحي الله في الكتاب المقدس و في الطبيعة على حد سواء.

و هكذا نحن بالتالي نصل أمام مسألة أي من وجهات النظر الخاصة بالخليقة هذه سوف نتبنى. عند هذه النقطة، يجب أن أعترف أن وجهة النظر الخلقية غير العلمية، و رأي المؤمنون بالله و التطور، و الرأي ضد-العلمي الذي ينادي بالخلقية، بسبب فشلهم في تحقيق العدالة تجاه كل من الكتاب المقدس و البيانات العلمية بتكاملها، تعتبر جميعها وجهات نظر غير مقبولة لنشاط الله الخلاق، على الأقل بالنسبة لي شخصيا و مهنيا. و فيما يتعلق الرأي العلمي الخلقي، لم يظهر حتى الآن أي نوع يمكنه التوليف، بشكل يرضيني، بين كلا من العناصر اللاهوتية و العناصر العلمية في عقيدة الخلق.

و هكذا، و بعد طول انتظار، توصلت "الإقتراح" الخاص بموضوعي و هو "بديل الخلقية المقترح لمذهب التطور." و يتكون هذا الاقتراح من جزأين، الأول وجيز، و الثاني إلى حد ما أكثر شمولا. في هذه المحاضرة سأقدم الجزء الأول فقط من هذا الاقتراح، أي الجزء الذي يتعامل مع تعريف مصطلح "الخلق".

و لكي نحدد الفهم الكتابي لهذه الكلمة، و لكي نتجنب الغموض الدلالي المرافق في كثير من الأحيان لاستخدامها في مناقشات من هذا النوع، أود أن أقترح ثلاث معان لهذا المصطلح.

أولا و قبل كل شيء، يعني "الخلق" إيجاد الى حيز الوجود الذي لم يكن (سواء في مادته أو شكله) موجود مسبقاً. و من الأمثلة على هذا المعنى يكون إنشاء تركيبة المادة و الطاقة الأصلية للكون المادي. و سوف ندعو هذا الإستخدام الخلق من العدم (Ex Nihilo) (أي، "الخلق من لا شيء").

ثانيا، يعني "الخلق" إيجاد الى حيز الوجود ذلك الذي لم يكن (في شكله) موجوداً سابقاً، باستخدام مادة موجودة مسبقاً. ومن الأمثلة على هذا المعنى خلق جسد آدم من تراب الأرض. و هذا الاستخدام سندعوه الخلق المباشر (أي خلق من خلال عمل الله المباشر، و ذلك باستخدام مادة موجودة سابقاً).

 ثالثا، يعني "الخلق" إيجاد الى حيز الوجود ذلك الذي لم يكن (في شكله) موجوداً سابقاً، مستخدماً في ذلك كلا من مادة موجودة مسبقاً و العلل الثانوية. مثال على هذا المعنى هو خلق الله، من خلال الوالدين في البشر، لكل طفل يُولد في العالم. هذا الاستخدام سوف نطلق الخلق بالتوسط.

 و في كل من هذه الإستخدامات ثلاثة - في الخلق من العدم، الخلق المباشر، و الخلق بالتوسط - من المهم أن نتذكر و نعرف بأن في سياق هذه المناقشة، الله هو الخالق. و لكن من المهم أيضا أن نتذكر أنه عندما نتكلم عن نشاط الله في الخلق، يجب علينا من وقت لآخر توضيح "خلق الله كذا و كذا" لتحديد ما إذا كان الله قد خلق من العدم، أو مباشرة، أو بتوسط. وهذا يعني أيضاً أنه عندما نقرأ نص الكتاب المقدس عن عمل الله كخالق، يجب علينا أن نسأل أنفسنا أحيانا السؤال: "ما معنى" خلق "و ما المقصود في هذا الاستخدام؟"

في هذه المرحلة قد يتساءل شخص ما، "ما قيمة هذه الفروق، وكيف تساهم في هذا الموضوع قيد النقاش؟" هذا هو السؤال الصحيح تماما. ومع ذلك، بدلاً من محاولة تبرير اتخاذ هذه الفروق التي كتبها بإبداء أسباب، سأحاول توضيح قيمتها في سلسلة من الحالات الملموسة.

و لتنفيذ هذا الغرض، أقترح أن ندرس هذه المعاني الثلاثة لمصطلح "الخلق"، لأن مثل تلك المعاني مرتبطة مع مختلف جوانب نشاط الله كخالق. و من خلال القيام بذلك، سنكون قادرين على تحديد ما إذا كانت هذه الفروق هي تفاهات مصطنعة، غرائب للاهتمام، أو أدوات مفيدة للفهم المنهجي.

و بالحفاظ بالتالي على هذا القصد، أود تقديم وجهة نظر خلقية أخرى لأحداث عملية الخلق في الفصل الاول و الثاني من سفر التكوين. و بالقيام بذلك، سأضم حقائق الكتاب المقدس والحقائق العلمية معاً في تركيبة، أو سنضع في صيغة لاهوتية، كلاً من بيانات الوحي الخاص و بيانات الوحي العام. و لئلا يكون هناك بعض الاعتراض على إدراج كلتا المجموعتين من الحقائق في توليفة واحدة، يجب أن نشير بسرعة إلى أن التأكيد في مزمور 19: 1 أن "السماوات تحدث بمجد الله، و الفلك يخبر بعمل يديه" ليس فقط عن حقيقة الوحي الخاص؛ بل إنه يؤكد أيضا حقيقة الوحي العام. و هذا يعني أنه إذا أردنا قراءة رواية الله لعمله خالق بشكل صحيح، يجب علينا أن نتعلم قراءتها من كلا كتابي الوحي - الكتاب المقدس و كتاب الطبيعة. أو، للتعبير عن ذلك على نحو أدق، يجب علينا أن نتعلم قراءة كتاب الطبيعة من خلال نظارات الكتاب المقدس.

في المحاضرة الثانية، اذن، ساقدم مخطط / مسح لأحداث الخلق في الفصلين الأوليين من سفر التكوين، في محاولة لتجميع كلا من البيانات الكتابية و البيانات العلمية، وتوحيد كافة البيانات ذات الصلة في نظام متسق و متماسك لحقيقة الخلق. و هذا المفهوم لنشاط الله كخالق، و الذي سنشير إليه على أنه وجهة النظر الخلقية المتحدة، ستشكل عندئذ الهيكل الخاص بـ "النظرية الخلقية، البديل المقترح للتطور."

دعونا الآن، بنعمة الله، نستعد لاستعادة اعتراف أعمق وأشمل للحقيقة العظيمة أن "للرب الأرض، وملؤها، المسكونة، و الساكنين فيها"، و دعونا نسعى جاهدين لندعو كل ما في الطبيعة كخليقة الله، و كمجال يتجلى فيه مجد الله، و قدرته الأبدية، و ألوهيته، و طبيعته كخالق، بشكل رائع.


المحاضرة الثانية

النظرية الخلقية الموحدة

في هذه المحاضرة الثانية حول موضوع "وجهة النظر الخلقية، البديل المقترح للتطور"، وضعنا لأنفسنا مهمة تقديم الجزء الثاني من اقتراحنا، و هي هيكلة البيانات الكتابية و البيانات العلمية، و توحيد هذه البيانات في نظام متسق و متماسك للحقيقة فيما يخص عقيدة الخلق.

 ومع ذلك، قبل الشروع في هذه المهمة، و من خلال ملخص للخطوط العريضة لأحداث الخلق في الفصلين الأوليين من سفر التكوين، دعونا نستعرض بإيجاز تعريفين أساسيين و الجزء الأول من اقتراحنا.

 التطور، كما ذكرنا، هو الرأي الذي يرى أن العمليات الطبيعية، و التي تعمل حصرا عن طريق قوى طبيعية، هي المسؤولة عن كل الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والنفسية، و الاجتماعية التي تشكل تاريخ الكون. و قد لاحظنا أيضا أن هذا الرأي ينطوي على عدة مقترحات تأسيسية:

(1) إما أن المادة أزلية أو أنها ببساطة، من ذاتها، جاءت إلى حيز الوجود.

(2) لقد تطورت البنية المعقدة للكون المادي من الحالة غير المنتظمة البسيطة للمادة البدائية.

(3) تطورت المادة الحية من المادة غير الحية.

(4) تطورت جميع الكائنات الحية من أبسط الكائنات الحية.

(5) و قد تطور الإنسان من الحيوانات.

(6) كل من العمليات المذكورة أعلاه تمت عن طريق عملية عشوائية لقوى طبيعية موجودة سابقا.

الخلقية، من ناحية أخرى، هو الرأي الذي يرى أن الله الثالوث، موظفاً قوى خارقة للطبيعة و قوى طبيعية، فضلا عن اسباب ثانوية، قد، لغرض تمجيد نفسه، خلق، أو أوجد الى حيز الوجود الموضوعي، الكون و كل شيء فيه، سواء مادياً أو غير مادياً، و يحفظ كل شيء، أو يجعله يظل موجوداً، وفقاً لمسيرة مشيئته.

لكن، وكما لاحظنا، هناك أربعة أنواع أساسية من النظريات التي تفسر الخلق. و لقد دعونا هذه الأنواع الأربعة: النظرية الخلقية غير العلمية، و نظرية المؤمنون بالله و بالتطور، نظرية الخلقية العلمية، و نظرية الخلقية ضد العلمية. و لقد ذكرنا أن من بين هذه الأنواع الأربعة، تعتبر الأولى والثانية والرابعة غير مقبولة لنا شخصيا ومهنيا، و أنه لا يوجد تنوع في النظرية الثالثة (أي نظرية الخلقية العلمية) حتى الآن يبدو على أنه كاف أو مرضي تماما. ولذا فإننا نقترح الآن بديل آخر.

يتعلق الجزء الأول من اقتراحنا بتعريف مصطلح "الخلق". اقترحنا ثلاث معان أو استخدامات متبعة لهذا المصطلح، و دعوناها بأسماء: الخلق من العدم، الخلق المباشر، و الخلق بالتوسط. و المقصود بالخلق من العدم هو الخلق من لا شيء في حدث لحظي. و المقصود بالخلق المباشر هو الخلق باستخدام مواد موجودة من قبل، ولكن دون أسباب أو علل ثانوية، في حدث لحظي أو عملية تدريجية. و المقصود بالخلق بالتوسط هو توظيف كل المواد الموجودة من قبل و الأسباب أو العلل الثانوية إما في حدث لحظي أو عملية تدريجية.

و لقد ذكرت في أول محاضرة لي أن الجزء الثاني من اقتراحنا و هو في هذه المحاضرة الحالية، سيتناول دراسة هذه المعاني الثلاثة لمصطلح "الخلق" لأن مثل تلك المعاني مرتبطة بمختلف جوانب نشاط الله كخالق. و في ذلك الوقت أيضاً، اقترحت القيام بذلك عن طريق استقصاء الخطوط العريضة للفصلين الأول و الثاني من سفر التكوين، في محاولة لتجميع البيانات الكتابية و العلمية في رواية واحدة متماسكة و  موحدة. دعونا الآن نبدأ هذا المشروع الطموح.

ويتمحور هذا الجزء الثاني من "نظرية الخلقية، البديل المقترح للتطور" في سلسلة من أربعة عشر حدث، كلها تخص نشاط الله كخالق كما هو مسجل في سفر التكوين 1 و 2. دعونا الآن ننظر في هذه الأحداث بالترتيب، مشيرين لواحد أو اثنين من الجوانب المثيرة للاهتمام في كل منها.

الحدث # 1 (مدرجاً في سفر التكوين 1: 1) خَلَقَ الله من العدم خلق كل المادة و الطاقة و فضاء الكون، جنبا إلى جنب مع ما فيها، قبل عدة بلايين من السنين.

على الرغم من أن سفر التكوين 1: 1 لا يذكر على وجه التحديد خلق المادة البدائية، مع ذلك فهو يتضمن ذلك الخلق. و لأن المادة ليست أزلية، فلا بد إذن من خلقها. و هكذا نتعلم عن هذا الحدث الخلقي الإبداعي. في الحقيقة، يشير هذا الخلق إلى أن الله بذلك أوجد إلى حيز الوجود، من لا شيء، كل وحدة من الوحدات الأساسية للمادة و الطاقة الموجودة في الكون المادي - النيوترونات، والبروتونات والإلكترونات، و مختلف الجسيمات الذرية و تحت الذرية الأخرى.

وتشير التقديرات إلى أن كامل الكون المرصود يحتوي على 1080 من الجسيمات (أي 10 يليها 79 صفراً). و بالنسبة لمعظمنا، هذا رقم لا يمكن تصوره! ورغم ذلك فقد خلقها الله من لا شيء، بكلمة قدرته. بالمناسبة، على سبيل المقارنة، الأرض كلها تحتوي على 1050 ذرة (10 يليها 49 صفراً)، و كوب واحد من الماء يحتوي على ذرات 1025 (10 تليها 24 صفراً، أو 10 تريليون ذرة).

وفيما يتعلق بعمر الكون (وبالتالي عمر المادة البدائية)، وقد وصل عدد من علماء الفيزياء الفلكية، الحسابات الي الماضي من المعدل الحالي لتمدد الكون إلى بداية هذا التمدد إلى رقم من 10-13 مليار سنة. بالإضافة إلى ذلك، تشير الأدلة الفلكية أن الطاقة المنبعثة من بعض المجرات (سواء في شكل موجات الضوء أو موجات الراديو) غادرت تلك المجرات منذ عدة بلايين من السنين.

الحدث # 2 (مدرجاً في سفر التكوين 1: 1) خلق الله بالتوسط باستخدام البنية الأساسية للكون، وهي العملية التي بدأت بعد خلق المادة الأولية و الطاقة الأولية، و استمر لفترة كبيرة غير محددة من الوقت.

هذه العملية التي بدأت خلال المرحلة الطويلة لتمدد الكون، تشير الى التشكيل، من تكتل الطاقة والمادة الغازية الأصلية، من العناصر المختلفة. وإلى تكثيف كميات هائلة من غاز المجرات في تجمعات كبيرة من المجرات والنجوم التي تُشكل الهيكل الأساسي للكون المادي.

الحدث # 3 (مدرجاً في سفر التكوين 1: 1) خلق الله بالتوسط لمجرتنا (مجرة درب التبانة)، وهي العملية التي شغلت فترة طويلة غير محددة.

و تعتبر مجرة درب التبانة، كما تبدو في وقتنا الحاضر، مجموعة كبيرة من حزم النجوم، و النجوم و غاز ما بين النجوم، و غبار ما بين النجوم، مرتبة في شكل قرص هائل منتفخ إلى حد ما في الوسط (نشاهده له حافة) أو في شكل لعبة المروحة الورقية، تحتوي على أذرع حلزونية ملفوفة للخارج تبدأ من نواة مركزية (بالنظر اليها من أعلى).   و يستعصي فهم حجم مجرتنا. فالمسافة من حافة إلى الحافة المقابلة هي تقريبا 100 ألف سنة ضوئية، أي المسافة التي يقطعها الضوء في 100 ألف سنة.  و حيث أن الضوء يقطع 186 ألف ميل في الثانية، فإن المسافة التي يقطعها ضوء النجم من من حافة واحدة من مجرتنا إلى الحافة المقابلة تساوي 587 كوادريليون ميل (587 تليها 15 صفر)، و سيستغرق ذلك الضوء 100 ألف سنة فقط لعبور مجرتنا! و عندما نتوقف و نفكر في حقيقة أن هناك 100 مليار على الأقل من المجرات في الكون الملحوظ، تتحير عقولنا و ترتبك جدا من هذه المساحة الشاسعة، و لا يمكن إلا أن نذكر كلمات المرتل: " ٣ إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، ٤ فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ .... ٩ أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ!"

الحدث # 4 (مُسجل في سفر التكوين 1: 2-5) خلق الله بالتوسط لنظامنا الشمسي، الذي يضم نظام الكواكب التي تدور حول الشمس و تدور حول محاورها الخاصة، الترتيب الذي لا ينتج فقط النور الذي يسطع على كوكب الأرض ، ولكن أيضا يضع فاصلاً لتقسيم النهار والليل على الأرض.

و هنا أود أن أذكر نظرية علمية معينة عن أصل النظام الشمسي: نظرية فاولر-جرينشتاين-هويل. و الآن لكي تدعى أي نظرية علمية عن أصل النظام الشمسي نظرية جيدة، ينبغي أن تكون قادرة على شرح خمسة مجموعات من الحقائق على الأقل:

(1) حقيقة أن الشمس لديها أغلب كتلة النظام الشمسي (750: 1)، في حين أن الكواكب لها أغلب الإندفاع الزاوي (200: 1).

(2) و حقيقة ان مستويات مدارات الكواكب في معظمها تقع على خمس درجات كم المستوى المتوسط للنظام.

(3) كون أن الكواكب و أقمارها (مع استثناءات قليلة) كلها على حد سواء لها مدار و تدور في نفس اتجاه دوران الشمس.

(4) و حقيقة أن مدارات الكواكب دائرية تقريبا.

(5) كون أن الكواكب الداخلية مصنوعة من مواد أقل تطايراً (أي لا تتبخر بسهولة) و أكثر كثافة من التي للكواكب الخارجية.

تقترح نظرية فاولر-جرينشتاين-هويل عن أصل النظام الشمسي أن النظام الشمسي كله كان في البداية سديماً هشاً مظلماً الذي، كلما يدور، يتعاقد و يتقلص ليكون قرص يلف مغزلياً ببطء. و عندما وصل التقلص في مراحل متقدمة، بدأ هذا القرص يتوهج. و هكذا صار مركز القرص، الذي تقلص أكثر من ذلك، الشمس الحارقة. و انتقل الجزء الخارجي الغازي من القرص، مرتبطاً مغناطيسيا بالشمس المتحركة بحركة مغزلية، متحركاً للخارج و برد، و تكثف ليشكل الكواكب التي تدور حول الشمس.

هناك ثلاثة أسباب لذكر هذه النظرية العلمية الخاصة:

(1) معظم النظريات المعاصرة لأصل النظام الشمسي تشبه نظرية فاولر-جرينشتاين-هويل.

(2) هذه النظرية ليست في صراع مع حقائق الكتاب المقدس، ولكنها تناسبها بشكل جيد. تتناسب فكرة قرص السديم الهش المظلم بشكل جيد مع كلمات الكتاب المقدس، "وكانت الأرض خربة (أو غير متشكلة)، و خالية، و على وجه الغمر ظلمة."

(3) تناسب هذه النظرية البيانات العلمية بشكل جيد.

و يقدم هذا الحدث الرابع، خلق النظام الشمسي، الذي قدم النور و الظلام للنهار و الليل، لأن الحركة الدورية للأرض بالنسبة للشمس هى التي تعطينا فترات متناوبة من ضوء النهار والظلام و هو ما نعرفه بالنهار و الليل. و هذا متفق تماماً رواية الكتاب المقدس التي تقول، "وقال الله ليكن نور، فكان نور و رأى الله النور أنه حسن... و فصل الله بين النور والظلمة و دعا الله النور نهاراً، والظلمة دعاها ليلاً. " (سفر التكوين 1: 3-5)

الحدث # 5 (سفر التكوين 1: 6-8) خلق الله بالتوسط للغلاف الجوي للأرض، و الفصل اللاحق للمياه فوق سطح الأرض عن المياه التي تغطي سطح الأرض.

الكلمة التي تُرجمت "جَلَد" في سفر التكوين 1: 6، 7، 8 -  raqiya (راقيا) - تعني "ذلك الممتد، الفسحة". و اقتراحنا هو أن هذا الامتداد هو الغلاف الجوي، أو ما نسميه السماء (بالمعنى القريب لهذه الكلمة). في الآية 8 من سفر التكوين 1، يدعو الله هذا الامتداد "سماء".

و يعتبر غلافنا الجوي الحالي بطانية رقيقة تغطي سطح الأرض حتى ارتفاع 100 ميل. وهي تتألف من النيتروجين (78٪) والأوكسجين (20.9٪)، وبخار الماء، وكميات صغيرة من الأرجون وثاني أوكسيد الكربون والنيون و الهيليوم و الميثان و غيرها من الغازات. وتجدر الإشارة إلى أن النيتروجين والأوكسجين تشمل 98.9٪ من إجمالي حجم الغازات في الغلاف الجوي.

و يؤكد الأستاذ البروفيسير راسيل و ماتمان، و هو عضو في قسم الكيمياء في كلية دورت، في كتابه: الكتاب المقدس، و العلوم الطبيعية و التطور، أن هناك أدلة من علم المعادن أن الغلاف الجوي في وقت مبكر كان إلى حد كبير ثاني أوكسيد كربون، وأنه كان تقريبا خالياً تماماً من الأوكسجين (على النقيض من الغلاف الجوي الحالي والذي، كما ذكرنا، يحتوي على 20.9٪ أوكسجين). و مثل هذا الجو كانت لديه القدرة على احتواء قدرا كبيرا من المياه، في شكل غيوم كثيفة. وبالتالي فإن الغلاف الجوي الأولي أو "الجَلَد" قد قدم وسيلة للفصل بين المياه فوق سطح الأرض، و المياه التي تغطي سطح الأرض.

الحدث # 6 (سفر التكوين 1: 9-10) خلق الله بالتوسط لليابسة، من خلال هيكلة سطح الأرض إلى يابسة و بحار.

في الوقت الحاضر، من المساحة الإجمالية للأرض (197 مليون ميل مربع)، 29٪ (أو 57 مليون ميل مربع) هي أراض جافة، و 71٪ (أو 140 مليون ميل مربع) مغطاة بالماء. في الأوقات البدائية، نتعلم من هذه الآيات، أن مساحة كل الأرض كانت مغطاة بالماء.

كان من الضروري لفصل اليابسة عن الماء إن ينطوي على رفع مستوى كتل هائلة من الأرض، مع ما يصاحبها من تكوين المحيطات العميقة. و من المفيد أن نلاحظ أنه في الوقت الحاضر، أن متوسط عمق المحيطات أكبر بكثير من متوسط ارتفاع الأرض. متوسط عمق المحيطات هو 2.5 ميلا، في حين أن متوسط ارتفاع الأرض حوالي 0.5 ميل. و بالتالي إذا تآكلت القارات تماما، و تم وضع المواد المكونة لها في المحيطات، سيتم تغطية الكرة الأرضية ببحر العالمي عمقه حوالي 1.8 ميل.

و سواء كان المرء يتمسك بالنظرية القائلة بأن قارات الوقت الحاضر موجودة حيث كانت دائما، أو بنظرية أن كتل اليابسة كلها تحركت لتشكل القارات الحالية، ليس عاملا حاسما في أساس تفسير سفر التكوين. ومع ذلك، فإنه من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن مرتين في هذه الآيات (آيات 9 و 10) نقرأ عن تجمع المياه معاً في مكان واحد. هل هذا مهم؟

و يمكن اعتبار تعبير بهذا الشكل أنه يشير لفكرة أنه كانت هناك فقط كتلة يابسة واحدة في الماضي البعيد. وأنه بعد ذلك تحطمت كتلة اليابسة الواحدة هذه لتشكل القارات الحالية التي لدينا. وهذا ما يسمى بنظرية الانجراف القاري، وهي النظرية التي اجتاحت عمليا مجال الجيولوجيا في السنوات القليلة الماضية. و هذا هو التفسير المحتمل لآيات 9 و 10. وبطبيعة الحال، يمكن لهذه التصريحات أن تعني أيضا ببساطة أن الله جمع المياه في أماكنها الخاصة (بشكل جمعي "مكان")، بحيث يمكن أن تظهر اليابسة في مكانها.

الحدث # 7 (سفر التكوين 1: 11-13) - بداية خلق الله المباشر لمختلف "أنواع" النباتات البرية.

و نجد هنا في هذه الآيات أول ذكر لخلق الكائنات الحية. ومن المفيد أن نلاحظ أن موسى لا يأتي على ذكر الوحدانات و الطلائعيات، - و هما مملكتان كاملتان من نباتات حية مجهرية غاية في البساطة. و هو يتحدث فقط عن النباتات التي نمت على الأرض. بطبيعة الحال، لا بد من الإشارة إلى أنه إذا كان موسى، عن طريق وحي خاص، قد تحدث في الكتاب المقدس الموحى به عن هذه المخلوقات المجهرية، فلن يتمكن أحد ممن يقرأ كلماته في أي وقت خلال الثلاثة آلاف سنة، أن يكون لديه أدنى فكرة عما يقصده!

توجد في الآيات المذكورة 11-12 ثلاث فئات عامة من النباتات: "العشب"، "البقل الذي ينتج بذور"، و "أشجار الفاكهة التي تنتج الفواكه التي تحتوي على بذور". كلمة "العشب"، وكلمة "البقل" ذات صورة عامة جداً، وسوف يظهر لنا أن لها تطبيق على مدى واسع.

ومن المدهش أن نلاحظ أن خلق النباتات يذكر قبل خلق الحيوانات. هل كان هذا خطأ من موسى؟ أم أنها مجرد صدفة؟

في الرد على هذه الأسئلة، يجب أن نشير إلى أن النباتات قادرة على تصنيع المواد الغذائية الخاصة بها، عن طريق عملية التمثيل الضوئي. النباتات الخضراء، التي تحتوي على الكلوروفيل، تأخذ ثاني أوكسيد الكربون والماء، و تستخدم الطاقة من أشعة الشمس، و تقوم بتكسير هذه المواد و تكوين العناصر المكونة لها إلى سكر غني بالطاقة بالإضافة إلى الأوكسجين والماء. تأكل بعض الحيوانات هذه النباتات الغنية بالطاقة، وبالتالي تحصل على الطاقة اللازمة للقيام بوظائف الحياة. و تأكل الحيوانات الاخرى هذه الحيوانات، والتي بدورها قد أكلت من النباتات الغنية بالطاقة. و يأكل الإنسان كل من النباتات الغنية بالطاقة والحيوانات التي ( بشكل مباشر أو غير مباشر) قد أكلت النباتات الغنية بالطاقة. وهكذا نكتشف أن، بقدر أهمية الطاقة للقيام بوظائف الحياة، تعتمد الحيوانات و البشر على النباتات. ولذلك، ليس من خطأ و لا من قبيل المصادفة أن يذكر موسى خلق النباتات قبل الحيوانات و الإنسان.

كلمة أخرى عن حقيقة أن ثلاثة فقط من فئات النباتات مذكورة في ترتيبها.   يصنف خبراء تصنيف النبات جميع النباتات المعروفة إلى أكثر من 350 ألف نوع. و يمكن للمرء أن يسأل بلياقة عما إذا كانت الـ 350 ألف نوع من النباتات يمكن إدراجها ضمن هذا التصنيف الثلاثي البسيط. أود أن أقترح أن القائمة في سفر التكوين لم يكن المقصود أن تكون شاملة، ولكن فقط ممثلة لجميع النباتات. ومع ذلك، و كونها تشكل قائمة تمثيلية، و التي فيها يعطى الجزء ليمثل الكل (كما في التعبير اللغوي الذي يدعى الكناية الجزئية)، إلا أن آثارها واضحة: الله هو خالق كل النباتات الحية.

الحدث # 8 (سفر التكوين 1: 14-19) خلق الله بالتوسط لمظهر الشمس، و القمر، و النجوم (كما نراها من سطح الأرض).

لقد سبق ان تحدثت عن خلق الله للسماء أو الجلد. و اقترحت فكرة أن الجلد هو الغلاف الجوي للأرض. و ذكرنا أيضا الأدلة من علم المعادن أن الجو خلال التاريخ المبكر للأرض كان يتكون في معظمه من ثاني أوكسيد الكربون. واقترحنا أن بطبقة ثاني أوكسيد الكربون (التي من شأنها أن تؤدي إلى زيادة طفيفة في درجة حرارة الغلاف الجوي)، سيكون الكثير من الماء على سطح الأرض في شكل بخار الماء، وسوف يكون الطقس غائما باستمرار.

و حالما بدأت النباتات التي تم خلقها في النمو، بدأت، عن طريق عملية التمثيل الضوئي، تستهلك ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي، و قامت بإنتاج الأوكسجين الحر. و بطبيعة الحال، من خلال عملية التنفس الخلوي، تأخذ أيضا الأوكسجين و تطلق ثاني أوكسيد الكربون. ومع ذلك، حيث أن معدل التمثيل الضوئي يتجاوز قليلا معدل التنفس، هكذا فإن الغلاف الجوي، على مدى فترة طويلة من الزمن، تم تحويله تدريجياً من غلاف يحتوي على نسبة كبيرة جدا من ثاني أوكسيد الكربون و تقريباً بلا أي أوكسجين، إلى غلاف يحتوي على نسبة قليلة جداً من ثاني أوكسيد الكربون ( 33 من ألف من الواحد في المئة في المتوسط)، و كمية لا بأس بها من الأوكسجين (تقريبا 21٪).

و كلما انخفضت نسبة ثاني أوكسيد الكربون، انخفضت درجة الحرارة أيضاً. و تدريجيا تم تكثيف بخار الماء، وبدأت الغيوم الكثيفة تتبدد. ثم في مرحلة ما في هذه العملية، تم تحطيم الغطاء المكون من السحابة، و بالتالي صارت الشمس، والقمر، والنجوم مرئية من على سطح الأرض. و هكذا فإن الشمس الآن مرئية، وأصبح القمر، والنجوم تضيء، للتمييز بوضوح بين الليل و النهار، لتعطي الضوء على الأرض، للدلالة على خلق الله و عنايته الإلهية، و علامة لفترات من الزمن، بما في ذلك أيام، و مواسم و سنوات.

الحدث # 9 (سفر التكوين 1: 20-23) - بداية خلق الله المباشر لمختلف "أنواع" الحيوانات المائية ومختلف "أنواع" الطيور.

يتم تصنيف الحيوانات المذكورة في هذه الآيات وفقا للبيئة التي تتحرك فيها. و كانت البيئة التي يتحرك فيها مختلف "أنواع" "الكائنات الحية" هى، في هذه الحالة الماء. و تشمل هذه الفئة أيضا "وحوش البحر الكبير"، و ربما البرمائيات، وكذلك جميع أنواع الأسماك و اللافقاريات البحرية. و كانت البيئة لمختلف "أنواع" الطيور وغيرها من المخلوقات التي تطير ذات شقين: جلد السماء (أي في الهواء فوق سطح الأرض)، و الأرض نفسها.

وبالإضافة إلى ذلك، كما قيل لنا أن الله بارك الحيوانات المائية والحيوانات السماوية ببركة الإثمار، أي أنه تتكاثر و تملأ بيئات ايكولوجية في جميع أنحاء الأرض، سواء في البحار وعلى الأرض.

الحدث # 10 (سفر التكوين 1: 24-25) - بداية خلق الله المباشر لمختلف "أنواع" الحيوانات البرية.

وذكر الثلاث فئات الأساسية من الحيوانات البرية هنا: "البهائم"، "الدبابات أي الزواحف،" و "وحوش الأرض التي تحيا في الأرض". يستند مبدأ التقسيم في هذا التصنيف على طريقة الحركة. و هكذا يمكن اعتبار هذه الفئات الثلاث، بما في ذلك الحيوانات التي تتحرك عن طريق المشي على الأرض، والحيوانات التي تتحرك بواسطة الزحف على الأرض، والحيوانات التي تتحرك في الأرض نفسها (ويفترض بذلك من خلال الحفر أو الاختباء).

في أي حال، يبدو من الضروري تقسيم هذه الفئات الثلاث إلى مختلف "أنواع" كل فئة، و قيل لنا أن الله خلق "أنواع" الحيوانات البرية هذه و أتى  بها إلى حيز الوجود.

الحدث # 11 (سفر التكوين 2: 8) خلق الله المباشر لجنة عدن.

قد يكون هناك سؤال ما إذا كان ينبغي أن يوضع هذا الحدث قبل خلق آدم، أو بين خلق آدم وخلق حواء. يمكن، بطبيعة الحال، أن يكون هناك شك في أنه يجب أن يوضع قبل خلق حواء، لأن الله وضع آدم في الجنة (2 : 15) و وضع عليه سبات هناك (2 : 21) من أجل خلق حواء.

و حيث أن تم ذكر الذكر والإنثى فى رواية خلق العالم العامة في سفر التكوين 1 : 27، سيكون وضع خلق الجنة قبل خلق آدم أو بعده ذو فرق ضئيل. ومع ذلك، أنا أفضل عرض خلق جنة عدن قبل خلق آدم، بحيث تم وضع الرجل الذي تم خلقه حديثاً في عدن منذ بداية وجوده. وبالتالي أنا أفضل ترجمة سفر التكوين 2: 8 - "ووضع الرب جنة في عدن شرقا، و وضع هناك الرجل الذي كان قد خلقه".

أين تقع هذه الجنة الجميلة؟ حسناً، خلاف حقيقة أنها كانت في مكان ما في الشرق الأوسط، فإننا لا نكاد نعرف شيئا عن موقعها الدقيق. ربما مثل اسطورة القارة المفقودة اتلانتا، تم تدمير تلك الجنة الجميلة، محيت أو أخفيت بالكامل من على وجه الأرض. ربما عندما نكون في المجد سنعرف موقعها ونهايتها. في غضون ذلك، علينا أن لا نركز بعيون حزينة و بحنين على الفردوس المفقود، بل لنتطلع إلى فردوس أو جنة أفضل، التى أعدت لنا من قبل المسيح و إعدها للذين يحبونه.

الحدث # 12 (سفر التكوين 1: 26-31 و 2: 7) خلق الله من العدم لنفس الإنسان، و خلقه المباشر لجسد الرجل.

يخبرنا الكتاب المقدس أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله. و تم ختم هذا الشبه على نفس الإنسان. و لأن الله روح (أي شخص)، لذلك الإنسان هو روح (شخص). و كما أن طبيعة الله لديها سمات الحكمة والقوة والقداسة والعدالة والخير، والحق، بالتالي طبيعة الإنسان، كما خلقه الله على صورته، كان لها سمات الحكمة والقوة والقداسة والعدالة والخير والحق. ومع ذلك، في حين أن الله يمتلك هذه الصفات بصورة لانهائية، أبدية، وغير قابلة للتغيير، فإن الإنسان قبل السقوط يمتلكها بصورة محدودة، زمنية، و متغيرة. وبالتالي هناك على حد سواء شبه و تغاير في خلق الله للإنسان على صورته: الشبه، لأن الله خلق الإنسان على صورته. التغاير، لأن الله خلق الإنسان على صورته.

و كان خلق جسد الإنسان، كما هو مسجل في سفر التكوين 2: 7، خلقاً مباشراً من قبل الله، وذلك باستخدام مادة موجودة من قبل (في هذا المثال، "تراب الأرض")، و لكن ليست سببية ثانوية. كانت المادة التي تم تشكيل آدم منها مادة غير حية قبل أن يضع الله فيها الحياة عند هذه المرحلة.

و في علاقة مع هذا التأكيد، تكون الترجمة في إصدار (الملك جيمس) مؤسفة، لأنها تحجب حقيقة مهمة جداً، و أيضا تجعل الآية تقوم بتعليم شيء ما ببساطة ليس هناك. و هكذا فإن سفر التكوين 2: 7 يجب أن تترجم، "وجبل الرب الإله آدم من تراب الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، و صار الإنسان كائناً حياً" (أو "خليقة حية"). تقول اللغة العبرية ببساطة أن الرجل  أصnephesh haya بح  (نيفيش هايّه).

و إذا نظرنا إلى الوراء في سفر التكوين 1: 20-21، نلاحظ أن الله خلق الحياة المائية. و هذه الحياة تسم  أصnephesh haya . في سفر التكوين 1: 24-25، خلق الله الحياة الأرضية. و تسمى أيضا هذه أصnephesh haya . و بعد ذلك في سفر التكوين 2: 7، نتيجة للنفخة الإلهية للحياة في الجسم الذي خلقه الله له، أصبح آدم أصnephesh haya . الحقائق واضحة: لم يكن آدم خليقة حية قبل سفر التكوين 2: 7؛ و كانت الحيوانات كائنات حية قبل وقت من سفر التكوين 2: 7؛ لذا لم يكن من الممكن أن يكون آدم قد انحدر من الحيوانات، لأنه في هذه الحالة سيكون آدم خليقة حية قبل أن يصبح مخلوق حي، و هو أمر سخيف بكل وضوح. وعلاوة على ذلك، حيث أن سفر التكوين 2: 7 يتحدث عن خلق جسد آدم، و عن جعل هذا الجسد خليقة حية، فلم ينحدر لا آدم ككل ولا جسد آدم من الحيوانات.

الحدث # 13 (سفر التكوين 1 : 27 و 2: 19-23) خلق الله من العدم روح المرأة، و خلقه المباشر لجسد المرأة.

وينبغي التأكيد على أن الله أيضا خلق المرأة على صورته ومثاله. مرة أخرى، هذا الشبه، كما هو الحال عند الرجل، يشير إلى روح المرأة. كما كان بالنسبة لجسدها، مع ذلك، تم خلقها من لحم آدم و عظامه، وليس من تراب الأرض. و مع ذلك، حيث أن لحم آدم و عظامه خلقت من التراب، هكذا أيضا (بشكل غير مباشر) كانت حواء من التراب. ونتيجة للسقوط، كان مقدرا، بعقوبة الموت، أن ترجع مع آدم إلى التراب. وبالتالي اللعنة في سفر التكوين 03:19 تقع على عاتق كل من آدم و حواء، وعلى كل الأجيال الآتية منهما.

الحدث # 14 (سفر التكوين 2: 1-3) - توقف خلق الله المباشر. و استمرار خلقه بالتوسط.

من خلال "وقف خلق الله المباشر" المقصود هو الانتهاء من نشاط الله لخلق الكون والعناصر المكونة له إلى حيز الوجود. ليس القصد من هذا التعبير إنكار واقع المعجزة، أو إنكار الطابع المباشر و الفوري لأعمال الله الخلاصية.

أنا لا أعتقد أن عبارة "واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل كخالق"، تعني أن الله كان متعباً بسبب كل ما خلق، وبالتالي يحتاج للراحة حتى ليوم واحد قبل تولى وظيفة حفظ كل شيء قيد التشغيل. بدلا من ذلك، أعتقد أن "استراح من العمل" تفهم بشكل أفضل على أنها توقف و وقف نشاط الله كخالق من العدم و بالمعنى المباشر. بالطبع، واصل الله الخلق بالتوسط، و تواصل، و يستمر حتى نهاية الزمان.

كان هذا اذن مسح للخطوط العريضة لما قد دعوته نظرية الخلق الموحد. كان هذا هو البديل الخلقي المقترح للتطور، سننظر لقيمتها من خلال مزيد من الدراسة والتفكير، وكذلك من خلال تقييم حكمكم.

أدعوأن روح الحق يفتح أعيننا على أمرين: مجد الله الذي يتم كشفه نهار بعد نهار و ليل بعد ليل في جميع أنحاء كونه المخلق و جماله، وإلى ضرورة ربط حقيقة ذلك الوحي بالحق الذي أعرب عن سروره أن يعطينا إياه في الكتاب المقدس. ليمنحنا الله فهم أفضل، و كامل، و أكثر كفاءة من هذا!


المحاضرة الثالثة

النظرية الخلقية الموحدة و "أيام" الخلقية

 

حاولنا في المحاضرتين الأوليتين من هذه السلسلة أن نرسم، في خطوط عريضة، "نظرية الخلقية، البديل المقترح للتطور".  في البداية، بعد أن قمنا بتعريف مصطلح "مذهب التطور" و "نظرية الخلقية"، حاولنا إظهار الحاجة لمثل هذا البديل. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى تقديم وجهة نظرنا المقترحة، و كان الجزء الأول منها دراسة متأنية للمعاني الأساسية الثلاثة لمصطلح "الخلق". و في المحاضرة الثانية قدمنا الجزء الثاني من اقتراحنا، الذي اتخذ شكل مخطط-ملخص لأحداث الخلق في سفر التكوين 1-2. و أطلقنا على التوليفة الناتجة بنظرية الخلقية الموحدة.

 

و نأتي الآن لمسألة التسلسل الزمني للفصلين الأوليين من سفر التكوين. في الواقع، هناك نوعان من الأسئلة الهامة التي تتصل بالتسلسل الزمني لأحداث هذه الفصول. يتعلق السؤال الأول بالمعنى الزمني لمصطلح "اليوم". و يتعلق السؤال الثاني بالعلاقات بين أحداث "الأيام" السبعة و علاقات "الأيام" السبعة نفسها بالسجلات الجيولوجية و البليونتولوجية.   دعونا نجيب بأنفسنا على هذين السؤالين.

 

ما هو المعنى الزمني لمصطلح "اليوم" في سجل سفر التكوين "لأيام" الخليقة السبعة؟ و يضع هذا أمامنا مهمة تحديد المعنى الكتابي، وفقا للعرف و الاستخدام، للكلمة العبرية يوم Yom.

 

تترجم النسخة المعترف بها أو نسخة الملك جيمس، الكلمة العبرية يوم بالطرق التالية: 1167 مرة تمت ترجمتها على أنها "نهار"، 63 مرة ترجمتها "وقت"، 30 مرة ترجمتها "اليوم" (في هذه الحالات استخدمت العبرية أداة التعريف)؛ 29 مرة ترجمتها "يوميا" (في هذه الحالات ترتبط كلمة يوم العبرية مع مختلف حروف الجر و الصفات) و 18 مرة ترجمتها "إلى الأبد"!

 

و يبدو تماما و بشكل واضح أن مترجمي الملك جيمس نظروا إلى كلمة يوم العبرية على أنها تضم مجموعة واسعة نسبياً من المعاني!

 

بعد فحص عدد كبير من الاستخدامات في سياقاتها، تقلصت إحتمالات معنى الكلمة العبرية يوم في اربع معان:

(1) الفترة التي يوجد فيها الضوء على جزء معين من سطح الأرض، بالنسبة لموقع معين على الأرض. أو مجرد فترة النور. و هكذا في سفر التكوين 1: 5 نقرأ "و دعا الله النور نهاراً". و في سفر التكوين 1 : 16 نقرأ أن الله جعل "النور الأكبر لحكم النهار".

(2) الفترة التي تقوم فيها الأرض بدورة كاملة حول محورها، أي يوم مدته 24 ساعة. نجد مثيل لهذا الاستخدام في سفر الخروج 20: 8-10. هناك نقرأ: "اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ، سِتَّةَ أَيَّامٍ ياميم بالعبرية ( - جمع يوم) تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ، وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ."

(3) فترة محددة نسبياً (أي فترة لها بداية و نهاية محددة تحديداً جيداً إلى حد ما) تقع خلالها بعض الأحداث أو سلسلة من الأحداث. قد تكون هذه الفترة قصيرة أو طويلة. في سفر التكوين 41: 1 نقرأ: " وَحَدَثَ في نهاية أثنين ياميم (جمع يوم) مِنَ الزَّمَانِ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى حُلْمًا". و تمت ترجمة هذا "سنتين" في النسخة المعتمدة، وأعتقد أن الترجمة صحيحة. و إذا كان الأمر كذلك، يجب اذن أن نعلم أن ذلك النص الكتابي يتحدث عن سنتين كاملتين كان خلالها يوسف في السجن، و مع ذلك يستخدم صيغة الجمع لكلمة يوم. و في سفر الخروج 13 : 10 أمر موسى بني إسرائيل " فَتَحْفَظُ هذِهِ الْفَرِيضَةَ فِي وَقْتِهَا مِنْ ياميم إِلَى ياميم (من سنة إلى سنة).". و في الأمثال 25 : 13 نقرأ عبارة " كَبَرْدِ الثَّلْجِ فِي يَوْمِ الْحَصَادِ، الرَّسُولُ الأَمِينُ لِمُرْسِلِيهِ، لأَنَّهُ يَرُدُّ نَفْسَ". تعني كلمة يوم هنا وقت الحصاد، اي موسم الحصاد.

(4) الاحتمال الرابع للمعنى هو فترة غير محددة نسبياً (أي فترة من دون حدود واضحة المعالم) خلالها تقع بعض الأحداث أو سلسلة من الأحداث. و يمكن أن تكون هذه فترة غير محددة قصيرة أو فترة غير محددة طويلة. في سفر التكوين 35: 3 وقال يعقوب لأهل بيته، " وَلْنَقُمْ وَنَصْعَدْ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، فَأَصْنَعَ هُنَاكَ مَذْبَحًا للهِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِي فِي يَوْمِ ضِيقَتِي، وَكَانَ مَعِي فِي الطَّرِيقِ الَّذِي ذَهَبْتُ فِيهِ." في هذا الاستخدام تعني كلمة يوم ببساطة وقت أو زمان. في سفر التكوين 40: 3 نقرأ ما فعله فرعون لرئيس سقاته و لرئيس خبازيه: "و وضعهما في السجن." في الآية 4 قيل لنا، "واستمروا يوم في السجن". و تعني كلمة يوم هنا ببساطة فترة من الزمن، موسم من الزمن غير محدد المدة. في الأمثال 31 :25 نقرأ عن امرأة فاضلة أن "اَلْعِزُّ وَالْبَهَاءُ لِبَاسُهَا، وَتَضْحَكُ عَلَى الزَّمَنِ (يوم) الآتِي". هنا الكل لأجل غير مسمى، دون حدود للوقت. تعني كلمة يوم ببساطة الزمن أو الوقت.

 

لكننا نواجه الآن السؤال: أي من هذه الاحتمالات الأربعة هو المعنى المقصود في سفر التكوين 1-2؟ بأي معنى يجب علينا فهم سبعة أيام الخليقة؟ هل هى فترات النور أي النهار، أم فترات ذات 24 ساعة، أم فترات محددة نسبياً، أم فترات غير محددة نسبياً من الزمن؟

 

هناك على الأقل خمسة اعتبارات هامة يجب أخذها في الإعتبار و التي تخص مسألة كيف لنا أن نفهم القيمة الزمنية لسبعة ايام الخلق:

(1) فصل النور عن الظلام، و دعوة النور "نهاراً" و الظلام "ليلاً".

(2) نمط المساء-الصباح ("و كان مساء و كان صباح") الذي يرتبط مع كلمة يوم في 1-6.

(3) تعيين الشمس لحكم "النهار" والقمر والنجوم لحكم "الليل".

(4) الفترة الزمنية التي يشغلها كل يوم. هذا يمكن أن يكون:

             (أ) الفترة التي تكلم الله فيها بأمره الخالق

            (ب) الفترة التي كان يُمارس فيها نشاط الله الخلاق

            (ج) الفترة التي بدأ فيها لتحقيق إنجاز أمر الله الخلاق

            (د) الفترة التي تم فيها الانتهاء من جانب معين من عمل الله في الخلق

            (ه) الفترة التي تكلم الله فيها بأمره الخالق ، و رأه قد تمم تماماً.

(5) مسألة الوقت المستغرق في تنفيذ أوامر الله الخالقة. كيف يمكن لنا تفسير سجل الكتاب المقدس؟ هل تمت أوامر الله الخالقة في لحظة، أم في فترة اثني عشر ساعة، أم في فترة أربع وعشرين ساعة، أم في فترة قصيرة نسبياً من الزمن، أم خلال فترة معتدلة الطول من الزمن، أم في فترة شاسعة من الزمن؟ هل يمكن أن بعض هذه الأوامر قد تحققت في حدث لحظي، وغيرها من خلال عملية طويلة؟ لاحظ: لا شك هنا ما إذا كان الله يقدر أن يخلق كل شيء على الفور، إذا اختار ذلك. والسؤال هنا هو ببساطة، كيف خلق كل شيء؟

مع وضع هذه الاعتبارات الخمسة قيد الاعتبار، ومحاولة استخدام البيانات الكتابية، أود أن أقترح معنى زمني-الجانب للأيام السبعة في سفر التكوين 1-2. هذا الاقتراح من جزأين:

أولا، بالنسبة للفترة الزمنية المشار إليها من قبل كل يوم، أقترح معنى "الفترة التي بدأ فيها أمر الله الخلاق لتحقيق الإنجاز". وهكذا ستكون السبعة أيام سبع فترات من الزمن، أول ستة منها ستكون فترات خلقية (أي الفترات التي يتحقق فيها بعض جوانب نشاط الله الخلاق). وعلاوة على ذلك، سيتم النظر إلى هذه الفترات خلقية الجانب من قبل ثلاث مراحل متميزة: مرحلة البداية، و مرحلة التحقيق الأساسي، و مرحلة الإنجاز.

و سنعرف بداية المرحلة الأولى من كل فترة خلقية الجانب عن طريق أمر الله الخلاق، "ليكن ...!" و تم تسجيل هذه الأوامر في سفر التكوين 1: 3، 1: 6، 1: 9، 1 : 11، 1: 14-15، 1 :20، 1 : 24، 1 : 26.

و سنميز مرحلة التحقيق الاساسي، و التي فيها يتم بداية تحقيق أمر الله الخلاق، باعتراف الله أن عمل يديه كان حسناً. و تم تسجيل هذه التقييمات لقيمة عمل يدي الله نحو إنجاز خطته الأبدية و قصده الإلهي في سفر التكوين 1: 4، 1 : 10، 1 : 12، 1: 18، 1 : 21، 1: 25 و 1: 31. أقترح أن الستة ايام الاولى تتزامن مع الستة مراحل للتحقيق الأساسي في ستة فترات خلقية متميزة.  و لم يتم وضع علامة لتمييز مراحل الإنجاز النهائي لفترات الخلق عموما، في الكتاب المقدس، من خلال تدوين خاص. والسبب في ذلك سيصبح واضحاً في الحقائق التي سنتناولها الآن.

لتلخيص اقتراحي، اذن، أقترح أن الأيام الستة الأولى تقع في غضون ستة فترات خلقية ذات طول غير محدد، وأنها تتزامن، ليست مع مرحلة البداية أو مرحلة الإنجاز النهائي، و لكن مع مرحلة التحقيق الأساسي في كل فترة خلقية.

ثانيا، فيما يتعلق بمدة كل يوم، أقترح أن عامل فصل النور عن الظلام، و عامل تعاقب الليل والنهار، و عامل نمط المساء الصباح تتضافر جميعها لتشير إلى اليوم الحرفي، أي الفترة التي تقوم فيها الأرض بدورة كاملة واحدة حول محورها.

و بالجمع بين شطري هذا الاقتراح بشأن يوم سفر التكوين 1-2، نحدد حتى الآن اليوم كيوم حرفي الذي يميز مرحلة التحقيق الاساسي في كل فترة من الفترات الستة الخلقية ذات الطول غير المحدد. في هذا المخطط، يتم فصل بين أيام الخليقة هذه بفترات غير محددة، شاسعة في بعض الأحيان، من الزمن.

لقد تناولنا حتى الآن السؤال الأول المتعلق بالتسلسل الزمني للأحداث في هذه الفصول، وهى: مسألة المعنى الزمني لمصطلح "يوم". و يجب علينا الآن النظر في السؤال الثاني، الذي يتعلق بالعلاقات الزمنية لأحداث الأيام السبعة في سياق السجلات الجيولوجية و البليونتولوجية.

يقسم المقياس الزمني المعياري الجيولوجي النسبي، كل الزمن الجيولوجي إلى خمسة دهور. و يطلق عليها دهر الأرشيوزيك (بمعنى "بداية الحياة")، و دهر البروترزويك (بمعنى "الحياة الأولية")، و دهر الباليوزويك (بمعنى "الحياة القديمة")، و دهر الميزوزويك (بمعنى "الحياة المتوسطة")، و دهر الكينوزويك (بمعنى "الحياة الحديثة"). و تنقسم هذه الدهور الخمسة إلى فترات، وتنقسم هذه الفترات الى مزيد من الحقب و العصور. وكثيرا ما يتم جمع الأرشيوزيك و البروترزويك معا تحت اسم "فترة ما قبل الكمبري" (العصر الكمبري وهي الفترة الأولى من حقب دهر الباليوزويك).

و لقد قام الجيولوجيون، وذلك باستخدام التقنيات المشعة، باحتساب عمر الأرض ليكون 4.55 بليون سنة. و يمثل الزمن ما قبل الكمبري تقريبا 87٪ من هذا الرقم، أي 3.95 بليون سنة. هكذا تكون بداية دهر الباليوزويك (والذي هو نفس بداية العصر الكمبري) قبل 600 مليون سنة. ويرجع تاريخ بداية دهر الميزوزويك إلى قبل 225 مليون سنة. ويرجع تاريخ بداية دهر الكينوزويك أي الحياة الحديثة إلى قبل 70 مليون سنة.

و تعني كلمة "البالينتولوجي" دراسة الكائنات القديمة (الحفريات). و يعتبر سجل الحفريات رائع و منير على حد سواء. و هو مكون من بلايين وبلايين من الحفريات التي تم العثور عليها عمليا في كل ركن من أركان الأرض. و تم العثور على هذه الأدلة عن الكائنات الحية السابقة في طبقات مختلفة من العمود الجيولوجي، و هى تحكي قصة مهمة جدا و هي ذات صلة مباشرة بفهمنا لعمل الله في الخلق.

في عصور ما قبل الكمبري بحسب العمود الجيولوجي، هناك عدد قليل جدا من الحفريات، و هذه هي النماذج الحية البسيطة نسبياً. بعض الطحالب، و بعض أنواع البكتيريا، و بعض مسارات الدود - وهذه هي الأدلة الوحيدة عن الكائنات الحية قبل العصر الكمبري. ومع ذلك، في العصر الكمبري من دهر الباليوزويك أو الحياة القديمة، ينكشف انفجار سكاني حقيقي أمام أعين عالم الحفريات! تقريبا تظهر كل شعبة من الشعب الرئيسية للحيوان في العصر الكمبري! فالطحالب، مفصليات الأرجل، ذوات القوائم الذراعية، الحبليات، الإسفنجيات، الجوفمعويات، الديدان الحلقية أو العلقيات، الرخويات، شوكيات الجلد، و الأوليات - تظهر كافتها في السجل الأحفوري فجأة!

 في فترة الأوردفيشي من حقبة الحياة القديمة، تظهر المرجانيات و الفقريات الأولى، و كانت الأخيرة هذه في شكل أسماك عديمة الفك.

في الفترة السيلورية من حقبة الحياة القديمة، ظهرت أبسط النباتات الوعائية، و أقدم النباتات البرية المعروفة، و أول الحيوانات البرية (العقارب).

في العصر الديفوني تظهر الفطريات و تظهر أول النباتات الحاملة للبذور المعروفة (السرخسيات)، و أول الأسماك العظمية، و البرمائيات.

في الفترة الميسيسبية، تظهر أول النباتات الطحلبية.

في الفترة البنسلفانية، تظهر أول الصنوبريات و الحشرات البدائية، و الزواحف البدائية.

في فترة العصر البرمي من حقبة الحياة القديمة، تظهر الحشرات الحديثة.

في فترة العصر الترياسي من الدهر الوسيط، تظهر أول الديناصورات.

في العصر الجوراسي من الدهر الوسيط، تظهر أول النباتات الزهرية، الديناصورات العملاقة، و أول الطيور، و أول الثدييات.

في العصر الطباشيري من الدهر الوسيط، تظهر آخر الديناصورات و أول الطيور الحديثة.

في الحقبة الثالثة من حقبة الحياة الحديثة، يظهر عدد كبير من الثدييات الجديدة، جنبا إلى جنب مع الرئيسيات، و التي تشمل الليمور، قردة الترسير، و السعادين، و القرود.

في الفترة الرباعية من حقبة الحياة الحديثة، ظهرت معظم الفصائل الحديثة، و الأجناس و الأنواع من النباتات والحيوانات، جنبا إلى جنب مع البشر.

هذا، إذن، في لمحة موجزة جداً، ما قيل لنا من قبل سجل الصخور.

 

و الآن نأتي إلى السؤال الحاسم. هل يمكن توليف و ربط السجل الكتابي و سجل الصخور؟ قد قام عدد من البشر، بما في ذلك رجال الدين و العلماء، بالمحاولة و لكن لم تكلل بالنجاح. ربما لم تكن لديهم الرغبة أو الكفاءة أو الصبر الكافي لفحص البيانات بعناية، في كل مجال أخر، أو ربما لم يتناولوا كل بيانات أخرى في كليتها. و لكن إذا كنا نعتقد أن الحق واحد، و أن وحي الله في الطبيعة و وحيه في الكتاب المقدس صحيح، اذن يجب علينا أن نستنتج أن مثل هذا التوليف يمكن و يجب أن يتم!

 

لذلك، ولتحقيق هذه الغاية، أود تقديم توليفة مقترحة لأيام الخلق و أحداثه في سفر التكوين 1-2، و سجلات الجيولوجيا و علم الحفريات. و يعتبر هيكل المفاهيم الذي أقترحه عبارة عن سلسلة من الفترات الخلقية الجانب، و بعضها تتداخل جزئياً في الزمن، و يتم تمييز كل منها بمرحلة بداية، و مرحلة تحقيق أساسية، و مرحلة إنجاز نهائية. و في كل من هذه الفترات الخلقية (ما عدا الأولى)، و تقع مرحلة التحقيق الاساسية في يوم بالمعنى الحرفي، والذي تم ترقيمه.   في التكوين الكلي، يتم ترتيب سبعة أيام سفر التكوين 1-2 في ترتيب 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7 (انظر مخطط لأحدى التراكيب الممكنة لهيكلة أيام الخلق و أحداث الخليه في سفر التكوين 1-2.)

 

و هكذا، يكون ترتيب الأربعة عشر حدثاً الخلقية، التي ذكرناها في المحاضرة الثانية، على النحو التالي.   الخلق من العم للمادة الأولية (1)، و الخلق بالتوسط لنظام الكون (2)، و الخلق بالتوسط لمجرتنا درب التبانة (3)، تقع جميعها في الفترة الخلقية ما قبل اليوم الأول. و يقع الخلق بالتوسط لنظامنا الشمسي (4) في الفترة الخلقية الثانية، و التي تبلغ ذروتها في اليوم الأول. و يندرج الخلق بالتوسط لغلافنا الجوي (5) ضمن الفترة الخلقية الثالثة، و التي تبلغ ذروتها في اليوم الثاني. و يقع الخلق بالتوسط للأرض (6) و الخلق المباشر للنباتات البرية (7) في الفترة الخلقية الرابعة، و التي تصل إلى مرحلة التحقيق الأساسية الخاصة بها في اليوم الثالث، و لكنها تستمر حتى اليوم السادس. و يقع الخلق بالتوسط لظهور الأرض، الشمس والقمر والنجوم (8) في الفترة الخلقية الخامسة، و التي تبلغ ذروتها في اليوم الرابع. و يقع الخلق المباشر للحيوانات المائية و الطيور (9) في الفترة الخلقية السادسة، و التي تبلغ مرحلة التحقيق الأساسية الخاصة بها يوم الخامس، و لكنها تستمر حتى اليوم السادس. و يقع الخلق المباشر للحيوانات البرية (10)، و الخلق المباشر لجنة عدن (11)، و الخلق من العدم لنفس آدم وحواء، جنبا إلى جنب مع الخلق المباشر لجسديهما (12 و 13) خلال الفترة الخلقية السابعة، و التي تبلغ ذروتها في اليوم السادس.   ثم يبدأ اليوم السابع بفترة التوقف عن الخلق من العدم و الخلق المباشر (14).

 

ولكن كيف يرتبط هذا الهيكل النظري مع السجلات المشتركة من الفيزياء الفلكية، و الجيولوجيا، و علم المتحجرات؟ أولاً و قبل كل شيء، على أساس الفيزياء الفلكية، نفترض وجود فترة زمنية ما قبل الأرض و التي تمتد إلى الخلق من العدم للمادة الأولية. و تتوافق فترة ما قبل الأرض هذه مع الفترة الخلقية الأولى ما قبل اليوم الأول. و سيقع اليوم الأول اذن قرب بداية العصر ما قبل الكمبري، و اليوم الثاني حتى أوائل العصر ما قبل الكمبري. و يقع اليوم الثالث في العصر ما قبل الكمبري في وقت لاحق، و يكون اليوم الرابع قرب نهاية العصر ما قبل الكمبري. و من ثم تبدأ الفترة الخلقية السادسة مع السجل البليونتولوجى في العصر الكمبري، و هكذا يرتبط اليوم الخامس مع العصر الجوراسي من حقبة الدهر الوسيط(الميزوزويك). و تبدأ الفترة الخلقية السابعة في الفترة السيلورية من حقب الحياة القديمة (الباليوزويك)، و يقع اليوم السادس في الفترة الرباعية من حقبة الحياة الحديثة (الكينوزويك). و من ثم يبدأ اليوم السابع بعد ظهور البشر على الأرض، خلال العصر الجليدي من الفترة الرباعية. لا شك، أنه يمكن إدراك هذا الهيكل النظري بسهولة إذا نظرنا للشكل: رسم تخطيطي لأيام الخلق و أحداث الخلق في سفر التكوين 1 و 2، و خصوصاً العلاقة مع الجيولوجيا و علم المتحجرات.

 

رسم تخطيطي لأيام الخلق و أحداث الخلق في سفر التكوين 1 و 2

  

Structure of Creation Days 

  

 

في هذه المحاضرة الثالثة، اذن، حاولنا وضع سؤالين مهمين و الإجابة عليهما. كان السؤال الأول يخص المعنى الزمني لمصطلح يوم العبري، مع الإشارة بوجه خاص إلى أيام الخلق في سفر التكوين. اقترحنا أيام خلقية حرفية، ذات 24 ساعة لليوم، مفصولة بفترات متفاوتة الطول، و تميز مرحلة التحقيق الأساسية في فترات خلقية متداخلة (أي فترات زمنية أنجز فيها الله بعض جوانب نشاطه الخلقي).

 

وكان السؤال الثاني الذي أثرناه يتعلق بعلاقة أيام الخلق وأحداثه في سفر التكوين 1-2 مع مجموع سجلات الفيزياء الفلكية، والجيولوجيا، وعلم المتحجرات. و اقترحنا علاقة و التي على الرغم من أنها لا تجيب على جميع الأسئلة التي قد تثار، ولكنها مع ذلك تحاول أن تُظهر أن السجل الكتابي و سجل الصخور ليسا في صراع، في أي نقطة أساسية، بل هما في اتفاق مع بعضها البعض بشكل مذهل.

 

بالطبع، يجب أن نعترف أن هذا بالضبط ما كنا نتوقعه، ليس فقط لأننا قد قمنا بهذه التوليفة، ولكن في المقام الأول لأننا مقتنعون بأن إعلان الله الموحى به عن نفسه في الكتاب المقدس هو صحيح، وأن هذا الوحي في الكتاب المقدس لا يمكن أن يتعارض مع إعلان الله عن نفسه كخالق في الطبيعة! إنه الله الواحد الذي كشف عن نفسه كخالق في الكتاب المقدس و في خليقته!

 

ولكن الآن تنشأ مشكلة. هل تعني هذه المناقشة أن تفسير معظم علماء الحفريات لسجل الصخور على أنه يثبت التطور من مادة غير حية إلى مادة حية، و من مادة حية لجميع أشكال الكائنات الحية على الأرض اليوم، هو التفسير الصحيح؟ هنا من المهم أن نميز بين تفسير اتباع نظرية الخلقية للسجل، و تفسير أنصار التطور لنفس السجل. و يثير هذا التمييز سؤال بالضبط ما الذي خلقه الله، وهذا بدوره يجذب انتباهنا نحو الحاجة لاكتشاف ماذ يعني الكتاب المقدس بكلمة "أنواع" التي يحكي لنا سفر التكوين أن الله أوجدها. ومع ذلك، يجب أن نحفظ هذا الموضوع إلى المحاضرة القادمة.

  

 

نظرية الخلقية الموحدة

 

الجزء الأول: ثلاثة معاني لمصطلح "الخلق"

الخلق من العدم إيجاد إلى حيز الوجود ذلك الذي لم يكن (سواء في المضمون أو الشكل) موجوداً مسبقاً.

الخلق المباشر - إيجاد إلى حيز الوجود ذلك الذي لم يكن (في شكله) موجوداً مسبقاً، بتوظيف مادة موجودة سابقاً و لكن دون أسباب ثانوية.

الخلق بالتوسط - إيجاد إلى حيز الوجود ذلك الذي كان (في شكله) موجود مسبقاً، بتوظيف مادة موجودة سابقاً و أسباب ثانوية.

  

  

الجزء الثاني: هيكلة مقترحة لأحداث الخليقة في سفر التكوين 1-2

الشاهد الكتابي

أحداث الخلق

يوم الخلق

الفترة الخلقية

1 : 1

1 : 1

1 : 1

(1)   الخلق من العدم للمادة و الطاقة الأولية

(2)   الخلق بالتوسط للكون

(3)   الخلق بالتوسط لمجرة درب التبانة

قبل اليوم 1

الأولي

1 : 2-5

(4)   الخلق بالتوسط لنظامن الشمسي (النور، النهار و الليل)

اليوم 1

الثانية

1 : 6-8

(5)   الخلق بالتوسط لمجال الأرض الجوي، و الفصل التالي للمياه فوق سطح الأرض عن المياه التي على سطح الأرض

اليوم 2

الثالثة

1 : 9-10

1 : 11-13

(6)   الخلق بالتوسط لليابسة بجعل سطح الأرض يابسة و بحاراً

(7)   بداية الخلق المباشر للنباتات

اليوم 3

الرابعة

1 : 14-19

(8)   الخلق بالتوسط لمظهر الشمس و القمر و النجوم في السماء كما نراها من الأرض

اليوم 4

الخامسة

1 : 20-23

(9)   بداية الخلق المباشر للحيوانات المائية و الطيور

اليوم 5

السادسة

1 : 24-25

2 : 8

1 : 26-27

2 : 7

1 : 27

2 : 19-23

(10) بداية الخلق المباشر لحيوانات اليابسة

(11)الخلق المباشر لجنة عدن

(12)الخلق من العدم لنفس الرجل
          و الخلق المباشر لجسد الرجل

(13) الخلق من العدم لنفس المرأة
          و الخلق المباشر لجسد المرأة

اليوم 6

السابعة

2 : 1-3

(14)توقف الخلق المباشر و استمرار الخلق بالتوسط حتى الوقت الحاضر

اليوم 7


 

 

 

المقياس الزمني النسبي الجيولوجي المعياري

 

سجل الحفريات ظهور أشكال حياة جديدة

الفترات

العصور

المراحل

المقياس الزمني (سنوات قبل الوقت الحاضر)

لا توجد أشكال أساسية جديدة

أغلب الفصائل و الأجناس و الأنواع موجودة، و الإنسان الأول

الحديثة

البليستوسين أو العصر الحديث الأقرب

العصر الرباعي


10 آلاف

مليونان

كل أنواع آكلات اللحوم، أنواع عديدة من الأحصنة و الحيوانات آكلات الأوراق

المستودونات الأولى، حيوانات الكسلان الأرضية العملاقة، الكلاب البدائية، الاحصنة، البقر الوحشي

أول آكلات اللحوم الحقيقية، أول السنوريات (ذات الأسنان السيفية)، أول القردة

أول القوارض، أول وحيد القرن، أول السعادين

أول ذوات الحافر، أول الثدييات آكلات اللحوم، أول أشباه الليمورات

البليوسين

 

الميوسين

الأوليجوسين

 

الأيوسين

الباليوسين

العصر الثلاثي

الكينوزويك

12 مليون

26 مليون

36 مليون

54 مليون

65 مليون

أخر اليناصورات، أخر الطيور ذات الأسنان، بداية الطيور الحديثة

أول النباتات المزهرة، الديناصورات العملاقة، أول الطيور، أول الثدييات

أخر السرخسيات ذات البذور، أول الديناصورات

الطباشيري

 

الجوراسي

 

 

الثلاثي

الميزوزويك


135 مليون

180 مليون

225 مليون

أخر المفصليات ثلاثية الفصوص، أخر عريضات الأجنحة (عقارب البحر)، أول الحشرات الحديثة

أول المخروطيات، أول الحشرات البدائية (بلا أجنحة)، أول الزواحف

أول النباتات الجنينية (النباتات الكبدية و الطحلبية)

أول الفطريات، أول النباتات حاملة البذور، أول البرمائيات

أول نباتات اليابسة، أول حيوانات اليابسة

أول المرجانيات، أول الفقاريات (الأسماك اللافكية)

تقريباً كل شعبة رئيسية من الكائنات الحية

البرمي

 

البنسلفاني

 

الميسيسيبي

الديفوشي

السيلوري

الأوردوفيشي

الكامبري

الباليوزويك


280 مليون

310 مليون

355 مليون

405 مليون

440 مليون

500 مليون

600 مليون

الديدان البحرية (المسارات و الجحور)



البرتيروزويك


البكتريا البحرية، الطحالب البحرية (أقدم الصخور السطحية) (عمر الأرض)



الأركيزويك

3.4 بليون

4.55 بليون

 

 


 

المحاضرة الرابعة:

نظرية الخلقية الموحدة و "أنواع" الخلق

حاولنا في المحاضرتين الأولتين من هذه السلسلة، تحديد مدى الحاجة لبديل خلقي متسق، ثابت و متماسك لمذهب التطور، واقترحنا نظرية الخلق الموحدة على أنها هذا البديل. و في المحاضرة الثالثة تعاملنا مع التسلسل الزمني لأيام الخلق و أحداثه في سفر التكوين 1-2.   و اقترحنا هيكل تصوري لعدة فترات خلقية متداخلة (أي الفترات الزمنية التي تقام فيها الله ببعض جوانب نشاطه الخلقي)، كل واحدة منها تميزت بمرحلة بداية، مرحلة تحقيق أساسية، و مرحلة الإنجاز النهائي. و رتبنا ضمن هذه الفترات الخلقية أحداث الخلق في سفر التكوين 1-2. و حددنا يوم الخلق على انها أيام حرفية لها 24 ساعة، و اقترحنا أن هذه الأيام ميزت مرحلة التحقيق الأساسية في كل من هذه الفترات الخلقية (باستثناء أول فترة خلقية، و التي وضعناها قبل الفترة الخلقية المحددة بأمر الخلق "ليكن نور"، و التي بلغت ذروتها في اليوم الأول).

وبعد أن اقترحنا هذا الهيكل النظري لأحداث و أيام الخلق، حاولنا ربط هذا الهيكل مع سجلات الفيزياء الفلكية، والجيولوجيا، وعلم الحفريات. و وجدنا أنها متناغمة بشكل جيد. وهذا، بدوره، اقترح هذا السؤال: "إذا كنا نربط السجل الديني الكتابي مع السجل العلمي، ألسنا بذلك نقر موافقتنا على الترتيب الأساسي للمعطيات الجيولوجية و البليونتولوجية كما قدمها رجال العلم في هذه المجالات؟ و حيث أن هذا الترتيب يتم استخدامه من قبل علماء الحفريات كدليل مهم جداً لنظرية التطور، فهل نحن بالتالي نتخلى عن نظرية الخلقية برمتها لصالح مذهب التطور؟" و للرد على هذا السؤال اقترحنا أن التمييز يجب أن يتم بين تفسير نظرية الخلقية للسجل الأحفوري و تفسير أنصار التطور لنفس السجل. من وجهة نظر خلقية، هذا أثار السؤال من معنى الكتاب المقدس لكلمة "أنواع" التي خلقها الله. و سوف ننتقل الآن لهذا السؤال.

يتم استخدام الكلمة العبرية المترجمة "نوع" عشر مرات في الفصل الأول من سفر التكوين. و هى مستخدمة بما مجموعه 31 مرة في العهد القديم العبري. و هذه الكلمة العبرية ( ) تنطق بالحروف العربية مين. و لكن الآن يجب علينا أن نطرح هذا السؤال: ماذا تعني كلمة مين؟

 أحد المبادئ الأولى لعلم اللغة أو الصناعة المعجمية هو أنه يتم اكتشاف معنى الكلمة من خلال دراسة استخدامها في السياق. و في هذا الصدد، نحن محظوظون، لأنه لدينا حالات كثيرة لاستخدام كلمة مين في الكتاب المقدس، ونحن محظوظون بشكل مضاعف بحقيقة أن 30 مرة من 31 تكرار لهذه الكلمة، موجودة في كتابات مؤلف واحد، و هو موسى. و بالتالي لدينا اساس راسخ إلى حد ما نبنى عليه فهمنا لمعنى هذه الكلمة العبرية.

و عندما نأتي لمسألة استخدام كلمة مين، في الحال، يصدمنا أمر قد يؤثر على معناها. في كل مرة من الـ 31 استخدام لها، يسبق كلمة مين حرف جر، و هو نفس حرف الجر في كل حالة. حرف الجر ( ) هذا له المعاني "لـ، بحسب/كـ، لأجل". ويبدو أن معنى "بحسب/كـ " يناسب بشكل أفضل الاستخدام في مثل هذه الحالات.

و للأسف، في بعض الأحيان قد تُرجم حرف الجر هذا في الإنجليزية إلى حرف الجر الذي يعني "بعد"، وهذا تسبب في اعتقاد القراء بأن هناك فكرة زمنية، بعض من عنصر الوقت في العبارة الكتابية. ليس هناك فكرة في حرف الجر العبري ( ) عن شيء "يأتي بعد" شيء آخر، أو عن شيء ما "يتبع" آخر. يجب شطب هذه الفكرة الزمنية من فهمنا، إذا كنا نرغب في تفسير هذه الاستخدامات بشكل صحيح. معنى حرف الجر هذا، في جميع استخداماته مع كلمة مين، هو ببساطة "بحسب/كـ ".

دعونا نمضي قدماً، إذن، لفحص تلك المقاطع الكتابية التي تستخدم كلمة مين. و مع ذلك، لئلا ندخل في هذا الفحص لجزء من كلمة الله بإهمال، دعونا نتوقف ونسأل أنفسنا، "ما هي طريقة الفحص التي ستستهل دراستنا بشكل أفضل؟"

في الدراسات الاستقرائية التي تتضمن عدد كبير من العناصر، يكفي أحيانا دراستها في ترتيب سردي بسيط. و في أحيان أخرى، و خصوصا عندما تختلف العناصر التي يتعين دراستها في درجة الصعوبة، غالباً ما يكون أكثر كفاءة أن تبدأ بالمشاكل الأقل صعوبة، و من ثم الانتقال للأصعب. و نحن سنعتمد النهج الأخير في هذه الدراسة.

دعونا نبدأ في سفر التكوين 6: 19-20. هنا نقرأ كلمات الله لنوح:

وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ، اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَى الْفُلْكِ لاسْتِبْقَائِهَا مَعَكَ. تَكُونُ ذَكَرًا وَأُنْثَى.  ٢٠ مِنَ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنَ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَمِنْ كُلِّ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ لاسْتِبْقَائِهَا.

و من المهم أن نلاحظ أنه لا يوجد عنصر زمني هنا، لا تسلسل قبل-و-بعد في هذا المقطع. تقول الآية 20 شيئا عن الطيور و البهائم، و دبابات الأرض (الزحافات) التي تأتي بعد غيرها من الطيور و البهائم. و الآية 20 لا تقول شيئا عن مشابهة الحيوانات لآبائها. أذكر هذه الأمور في هذه المرحلة لأن هاتين الفكرتين؛ أن يأتي بعد و المشابهة؛ هي أفكار في معظم الأحيان مرتبطة بالترجمة "كأجناسها."

و في هذا الصدد، أعتقد أن ترجمة نسخة الملك جيمس لكلمة مين، مع حرف الجر، مضللة للناطقين باللغة الانكليزية اليوم. ما المقصود بعبارة "كأجناسها"، في هذا السياق؟ ماذا يمكن أن تعني لنوح أن يأخذ "الطيور كأجناسها" في فلك معه؟ ماذا يمكن أن يعني لنوح اتخاذ "البهائم كأجناسها" في فلك؟ ماذا فهم نوح بهذا الأمر؟ هل أراد الله لنوح أن يتأكد من أنه يأخذ في الفلك فقط تلك الطيور وتلك البهائم التي كانت انجبت على شبه والديها؟ يقلل هذا التفسير الوصية البسيطة ليجعلها بلا معنى!

و لا بد لي من التحدث بصراحة عند هذه النقطة. يبدو أن هناك العديد من المفسرين و علماء اللاهوت يؤمنوا إيمانا راسخا أنه ما لم تتم ترجمة كلمة مين بحرف الجر في كل حالة لعبارة "كأجناسها،" يتم فتح ثغرة يمكن أن تفسر على أنها تقدم المساعدات أو الدعم لنظرية التطور. ويجب عدم فتح مثل هذه الثغرة، حتى على حساب تفسير الكتاب المقدس بطريقة خاطئة أو غير صحيحة أو لا معنى لها!

يتم تدعيم هذا الادعاء بحقيقة أنه، بترجمة كلمة مين و معها حرف الجر بشكل حصري (بإستثناء واحد) بعبارة "كجنسه،"، يصبح عشرين استخدام من الثلاثين بلا معنى للإنجليزية المعاصرة، و العشرة استخدامات المتبقية كلها في سفر التكوين 1، حيث نتعامل مع الخلق! و لكن ما يهم هو أن عشرين استخدام تصبح بلا معنى.   و يتم الحفاظ على نظرية الخلقية، و حرمان مذهب التطور من سلاح مهم له! بذلك ليس الجيد يتحقق أكبر من الشر؟

لهذا يجب علينا أن نجيب بكل جدية و قوة على ما تم تكليفنا به: ليست المسيحية بحاجة إلى محاولات - ذات قصد سليم، و لكن مشكوك فيها تفسيرياً، غير سليمة تأويلياً، و لا يمكن الدفاع عنها لاهوتياً، و تستحق الشجب أخلاقياً-، من جانب بعض المسيحيين لإنقاذ الآخرين (خاصة الشباب) من نظرية مدمرة للعقيدة كالتطور. إن ما تحتاجه المسيحية في هذه الساعة بشدة هو ترجمة مباشرة لكلمة الله في سلامتها! ليسمح أولئك الذين يعتقدون بإخلاص في صدق الكتاب المقدس أن يقدموه بصدق!

و لكن كيف، إذن، يجب أن نترجم هذا المقطع في سفر التكوين 6 بطريقة ذات معنى، مع الحفاظ في نفس الوقت على سلامته؟ في الواقع، في الفهم الصحيح لكلمة الله الموحى بها، هذين الغرضين لا يتصارعا أبداً.   يمكن للنصوص الكتابية أن يكون لها معنى فقط إذا تم الحفاظ على سلامتها. وإذا تم الحفاظ على سلامتها، فإنها سوف تكون ذات معنى.

في هذا المقطع قال الله لنوح أن "من الطيور، كأجناسها، كان من المقرر أن يأخذ اثنين اثنين في الفلك.  "و الطيور كأجناسها" تعني ببساطة "مختلف أنواع الطيور" التي كان على نوح أن يأخذه معه في الفلك.  وتم تعزيز صحة هذه الترجمة بهذا الشرط، "اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ تُدْخِلُ إِلَيْكَ." وعبارة "اثْنَيْنِ مِنْ كُلّ" بالتأكيد لا تعني اثنين فقط من الطيور، و اثنين من الماشية، و اثنين من الحيوانات الزاحفة على الأرض لتدخل الفلك مع نوح.  و لكن بدلاً من ذلك، اثنين من كل نوع من الطيور، واثنين من كل نوع من البهائم، واثنين من كل نوع من الدبابات التي تدب على الأرض كان من المقرر أن تؤخذ إلى الفلك.

و تتلقى هذه الترجمة مزيد من الدعم من سجل تحقيق وصية الله، كما وجدت في سفر التكوين 7: 13-14. وينص هذا المقطع:

فِي ذلِكَ الْيَوْمِ عَيْنِهِ دَخَلَ نُوحٌ، وَسَامٌ وَحَامٌ وَيَافَثُ بَنُو نُوحٍ، وَامْرَأَةُ نُوحٍ، وَثَلاَثُ نِسَاءِ بَنِيهِ مَعَهُمْ إِلَى الْفُلْكِ.  هُمْ وَكُلُّ الْوُحُوشِ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلُّ الْبَهَائِمِ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلُّ الدَّبَّاباتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلُّ الطُّيُورِ كَأَجْنَاسِهَا: كُلُّ عُصْفُورٍ، كُلُّ ذِي جَنَاحٍ.

و نحن هنا لا نقرأ أن نوحا أحضر إلى الفلك تلك الحيوانات كانت على مثال و شبه آبائها (الفكرة المرتبطة بالتعبير "كجنسه"). نقرأ ببساطة أن نوح أحضر إلى الفلك عينتين من كل نوع من الحيوانات الحية، ولكل نوع من البهائم، ولكل نوع من الحيوانات الزاحفة، ولكل نوع من الطيور. وهكذا فإن عبارة "كجنسها"، كترجمة دقيقة لكلمة مين مع حرف الجر  ليست فقط الترجمة السليمة، لكنها أيضاً ذات معنى و مغزى!

و انطلاقا الآن للاويين 11، نكتشف أن كلمة مين مستخدمة خمس مرات فيما يخص الحيوانات التي لا تؤكل. الآية 14 تنص على أن الحدأة، وفقا لنوعها، ليست للأكل. (وبالمناسبة، هذا ليس موجه إلى تلك الأنواع الشهيرة من الأشجار آكلة الحشرات التي ابلت تشارلي براون، بل هو فرض حظر على بني إسرائيل ضد أكل أنواع مختلفة من الطيور طويلة الذيل، ذات الأجنحة الطويلة المدببة و التي تسمى الحدأة!) لاحظ ما لا تقوله هذه الآية. أنها لا تقول الحدأة التي على شبه و مثال والديها ليست للأكل. تقول ببساطة أن أنواع مختلفة من الطيور المعروفة باسم الحدأة ليست للأكل!

و ينطبق الشيء نفسه في سفر اللاويين 11 :15، 16، 19 و 29.   محرم على بني إسرائيل أكل الأنواع المختلفة من الغراب، و الأنواع المختلفة من الباز (الصقور)، و الأنواع المختلفة من اللقلق، و الأنواع المختلفة من الضَّبُّ.

في سفر اللاويين 11 : 22 نجد أن كلمة مين تستخدم أربع مرات مع الحيوانات التي يمكن أن تؤكل. يُسمح لبني إسرائيل بأكل أنواع مختلفة من الجراد، وأنواع مختلفة من الدَّبَا، وأنواع مختلفة من الْحَرْجُوانُ وأنواع مختلفة من الْجُنْدُبُ.   في كل هذه الحالات، بدلا من ترجمة كلمة مين بحرف الجر بعبارة "على مثال وشبه جنسه،" علينا أن ترجمتها بعبارة "وفقا لنوعها."

في العطاء الثاني للناموس، كما هو مسجل في سفر التثنية 14، هناك أربع حالات من لاستخدام كلمة مين. وهي توجد في الآيات 13 و 14 و 15 و 18، و كلها تخص الحيوانات التي لا يجب أن يأكلها بنو إسرائيل. في الآية 13 هم ممنوعين من أكل النسور وفقا لأنواعها. في الآية 14 يحظر عليهم تناول الغراب وفقا لأنواعها. في الآية 15 يؤمرون بألا يأكلوا الصقور وفقا لأنواعها. وفي الآية 18 يؤمرون بألا يأكلوا اللقلق وفقا لأنواعها.  كل هذه الاستخدامات هي واضحة تماماً. هم ببساطة لا يجب أن يأكلوا أي نوع من النسور، الغربان، الصقور، أو اللقالق. ليس هناك أدنى تلميح، في تعبير كلمة مين المسبوق بحرف الجر  لفكرة أن الحيوانات "على شبهها و مثالها"، أي أن الحيوانات التي تأتي بحسب مثال و شبه آبائها.  التوجه الكامل للتعبير هو الإدراج، ضمن فئة معينة من حيوانات لا تؤكل، و ذلك لجميع الأنواع المختلفة من تلك الفئة.  و بالتالي، فإننا نقوم بترجمة التعبير العبري "كجنسه"، أو "كأجناسها."

في حزقيال 47 : 10 لدينا الاستخدام الوحيد لكلمة مين خارج أسفار موسى الخمسة. وهذا أيضا هو المثال الوحيد من أصل 31 استخدام تتم ترجمة حرف الجر  "بحسب/كـ" في النسخة المعتمدة. تذكر الفقرة، عن النهر الكبير الذي يتدفق من تحت الهيكل الألفي، ما يلي:

وَيَكُونُ الصَّيَّادُونَ وَاقِفِينَ عَلَيْهِ. مِنْ عَيْنِ جَدْيٍ إِلَى عَيْنِ عِجْلاَيِمَ يَكُونُ لِبَسْطِ الشِّبَاكِ، وَيَكُونُ سَمَكُهُمْ عَلَى أَنْوَاعِهِ كَسَمَكِ الْبَحْرِ الْعَظِيمِ كَثِيرًا جِدًّا.

تبدو هذه الفقرة أنها تتحدث عن العديد من أنواع مختلفة من الأسماك التي يجب أن تعيش في النهر الكبير للهيكل الألفي، و النسخة المصرحة تترجمها بالضبط بهذه الطريقة.

هذا يقودنا إلى الاستخدامات المتنازع عليها في سفر التكوين 1.   تتكرر كلمة مين مع حرف الجر  عشر مرات في الفصل الأول من سفر التكوين. ثلاثة من هذه الحالات ترتبط مع الخلق المباشر للنباتات، و ترتبط واحدة مع الخلق المباشر للحيوانات المائية، و حالة واحدة مع الخلق المباشر للطيور، و الحالات الخمس المتبقية تتعلق بالخلق المباشر للحيوانات البرية.

نقطة واحدة، و التي قد تبدو أمراً بديهياً للوهلة الأولى و لكن مع ذلك يجب أن نقدمها، و هى أن هذه النباتات والحيوانات التي خلقها الله لم تكن موجودة من قبل أن يخلقها الله.   هناك العديد من الذين يسارعون لتقديم الموافقة على هذا الاقتراح، ولكن يرفضون آثاره الواضحة. والمعنى الضمني الواضح لهذا الاقتراح هو أنه، في رواية نشأة الخلق، نحن لا نتعامل مع تكاثر، ولكن مع الخلق الأصلي لجميع الكائنات الحية. لا يتحدث سفر التكوين 1 عن نباتات تتكاثر لتنتج نباتات أخرى. كان يتحدث عن خلق الله للنباتات. مرة أخرى، لا يتحدث سفر التكوين 1 عن حيوانات تتكاثر لتنتج حيوانات أخرى. كان يتحدث عن خلق الله للحيوانات. و مع وضع هذا التوضيح بحزم في الاعتبار، دعونا نتقدم لدراسة كلمة مين في الفصل الأول من سفر التكوين.

في الترجمات التالية لقد ترجمت كلمة مين مع حرف الجر بنفس الطريقة كما هو الحال في جميع الحالات التي سبقت الإشارة إليها. وقد فعلت ذلك لثلاثة أسباب على الأقل:

(1) لقد كشفت دراسة للحالات 21 لكلمة مين خارج سفر التكوين 1 حقيقة ترجمة كلمة مين مع حرف الجر بشكل موحد "كجنسها / كأجناسها."

(2) تقع عشرون من هذه الحالات الـ 21 في كتابات موسى (7 في سفر التكوين، 9 في سفر اللاويين، و 4 في سفر التثنية)؛ كما كتب موسى أيضاً سفر التكوين 1.

(3) في سفر التكوين 1، نتعامل مع الخلق المباشر لجميع الكائنات الحية.  أي الوجود الأولي لها من خلال أوامر الله الخالقة. في سفر التكوين 1: 11-12 نقرأ:

وَقَالَ اللهُ: لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ. وَكَانَ كَذلِكَ.   فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ

من الصعب في اللغة الإنجليزية صياغة كلمات هذه الآيات بمثل هذه الطريقة لإظهار اتصال كلمة مين بما يسبقها. تربط الآية 11 كلمة مين مع "الأشجار المثمرة". و يمكن التعبير عن ذلك من خلال القراءة، وقال الله "لتنبت الأرض أنواع مختلفة من الأشجار المثمرة التي تنتج الثمار التي بذارها فيها." وبالمثل، الآية 12 تربط كلمة مين مع "عشب" ومع "شجرة". ويمكن التعبير عن ذلك من خلال القراءة، "والأرض تنتج أنواع مختلفة من العشب التي تعطي البذور، و أنواع مختلفة من الأشجار المنتجة للثمار التي بذورها فيها." على الرغم من أن هذا النمط من القراءة قد يبدو صعباً بعض الشيء، إلا أنها الطريقة الوحيدة لإظهار العلاقة الصحيحة للكلمات المعنية.

في سفر التكوين 1 : 21 نقرأ:

فَخَلَقَ اللهُ التَّنَانِينَ الْعِظَامَ، وَكُلَّ ذَوَاتِ الأَنْفُسِ الْحيَّةِ الدَّبَّابَةِ الْتِى فَاضَتْ بِهَا الْمِيَاهُ كَأَجْنَاسِهَا، وَكُلَّ طَائِرٍ ذِي جَنَاحٍ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.

ببساطة، نفهم هنا تصريحات لحقيقة أن الله خلق أنواع مختلفة من الحيوانات المائية و أنواع مختلفة من الطيور. ليس هناك فكر التكاثر هنا، لأن الحيوانات المائية و الطيور لم تكن موجودة قبل هذا الخلق؛ هذا المقطع يتحدث فقط عن الخلق الأصلي لأنواع مختلفة.

في سفر التكوين 1 : 24 نقرأ:

وَقَالَ اللهُ: لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ، وَدَبَّابَاتٍ، وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا. وَكَانَ كَذلِكَ. ٢٥ فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا، وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا، وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ.

لا يوجد هنا على الاطلاق أي فكر أن الحيوانات البرية "تتكاثر كأجناسها". الفكر هو ببساطة، أن الله يدعو من الأرض كل أنواع متنوعة للكائنات الحية: البهائم، و الزواحف، و كل حيوانات الأرض. و هكذا، ينبغي أن نفهم الآية 25 على أنها تعني أن الله خلق بشكل مباشر أنواع مختلفة من فئات محددة من الحيوانات البرية. وليس هناك شيء أكثر من ذلك في الجمع بين كلمة مين مع حرف الجر !

ولكن الآن، بعد التحقق من استخدام الكتاب المقدس لكلمة مين، يجب علينا أن نسأل السؤال التالي: "إلى أي مستوى في التصنيف العلمي للنباتات والحيوانات تتوافق كلمة مين؟ هل تعادل الأنواع البيولوجية؟ هل يمكن أن تشير في بعض الأحيان إلى جنس، أو عائلة/فصيلة، أو رتبة، أو طائفة، أو شعبة؟"

و يكشف لنا تحليل لمستوى تصنيف الكتاب المقدس "أنواع" حقيقة ملحوظة إلى حد ما.   تترافق كلمة مين مع فئات من النباتات والحيوانات والتي تتراوح من مستوى الأنواع الفرعية إلى مستوى الشعبة، و التي تشمل جميع المستويات بينهما! من هذه المعلومات قد نتعلم حقيقة مهمة جداً: لا تدل كلمة مين على مستوى معين واحد في التصنيف العلمي (مثل الأنواع، على سبيل المثال). حقيقة أخرى نتعلمها من هذه الدراسة هو أنه، في سفر التكوين 1، حيث نقرأ عن خلق الله الأصلي، و فئات من النباتات والحيوانات تتراوح من الفصائل إلى الشعبة، وبالتالي لا يجوز أن نقول أن الكتاب المقدس يقول أن الله خلق جميع النباتات و الحيوانات على مستوى الأنواع في وقتنا الحاضر.   في حالة بعض الكائنات الحية، لعل الله قد خلق على مستوى الرتب في وقتنا الحاضر، في بعض الحالات على مستوى الفصائل الحالية، في بعض الحالات على مستوى الأجناس الحالية، وفي بعض الحالات على مستوى الأنواع الموجودة لدينا. ولعل سجل البليونتولوجى يمكن أن يساعد في التعلم على أي مستوى / مستويات من التصنيف الحالي خلق مختلف "أنواع" النباتات والحيوانات.

تحليل للمستوى التصنيفي الفني لكلمة "أجناس" في الكتاب المقدس

الأسم العلمي للمجموعة

المستوى التصنيفي

طبيعة النوع

النص الكتابي

ذوات الفلقتين

بعض الرتب من صنف

الأشجار ذات الثمر

تكوين 1 : 11

ذوات الفلقتين أو ذوات الفلقة الواحدة

بعض الرتب من صنفين

العشب

تكوين 1 : 12


شعب عديدة

الحيوانات المائية

تكوين 1 : 21

الطيور

طائفة

الطيور

تكوين 1 : 21


شعب عديدة

الحيوانات الأرضية

تكوين 1 : 24

البقريات

فصيلة/عائلة

البهائم

تكوين 1 : 24


شعب عديدة

الحيوانات الزاحفة

تكوين 1 : 24

الحدآت بيضاء الذيل

فصيلة

الحدأة

لاويين 11 : 14

الغرابيات

جنس

الغراب

لاويين 11 : 15

البازيات الحقيقية

فصيلة

الباز

لاويين 11 : 16

البلشونيات

فصيلة

اللقلق

لاويين 11 : 19

الجندبيات

فصيلة

الجراد

لاويين 11 : 22


أنواع (؟)

الدبا

لاويين 11 : 22

غمديات الأجنحة (الخنافس)

رتبة

الحرجوان

لاويين 11 : 22

الجراديات & الجندبيات

رُتيبة أو فيلق

الجندب

لاويين 11 : 22

نسور العالم الجديد

فصيلة

النسور

تثنية 14 : 13

السمكيات

صنف

السمك

حزقيال 47 : 10

حقيقة أخرى نتعلمها من هذه الدراسة و هى أن الكتاب المقدس لا يقول أن تطوير أنواع جديدة أمر مستحيل. و كحقيقة واقعية، إن الله خلق أصلاً بعض الكائنات الحية على المستوى الحالي للفصيلة (على سبيل المثال)، ثم ومنذ ذلك الحين تم وضع جميع أفراد الفصيلة، وهو ما يعني أن هناك أجناس جديدة فضلا عن أنواع جديدة قد وُضعت. ببساطة لا يعلم الكتاب المقدس عقيدة "ثبات الأنواع". و في واقع الأمر، نمت هذه العقيدة من سوء الفهم لكلمة مين مع حرف الجر  إلى جانب وجود تحديد خاطئ لكلمة الكتاب المقدس مين على أنها المفهوم العلمي "الأنواع".

و لكن ما هو أكثر من ذلك، الكتاب المقدس لا يقول حتى أن الله خلق كل "الأنواع" الأصلية من النباتات و الحيوانات بمثل هذه الطريقة حتى أن لا "أنواع" جديدة يمكن أن تتطور من "الأنواع" الأصلية. و أنا أدرك أنه بقول هذا و أقوم بتدنيس "البقرة المقدسة" للعديد الذين يعتقدون أن حدود التباين التي وضعتها عبارة "كأجناسها" هى الحصن الأخير لنظرية الخلقية ضد الأمواج الغامرة لمذهب التطور. ومع ذلك، عدم اعتبار هذه الترجمة "كأجناسها" غير صحيحة وفقاً للكتاب المقدس، يجعلني لا أجدها صحيحة لاهوتياً! و بالتالي لا أجدها دعماً حاسماً لنظرية الخلقية، و لا حصناً عظيماً ضد مذهب التطور.

و لكن دعونا نتوقف لحظة و نفكر.  هل هذا يعني أن الباب مفتوح الآن بشكل متسع لتفسير تطوري شامل لسجل الصخور؟ فهل السبيل الآن واضح لتأكيد نظرية التطور للإرتقاء من الأميبا  إلى الإنسان؟ و بعد التخلي عن عبارة "على مثاله و شبهه،" و التي كانت آخر دفاع متبقي ضد مذهب التطور، فهل يجب أن نصبح الآن من أنصار التطور؟

و قبل أن نجيب بتسرع (وبالتالي نتعرض لخطر أن نجعل من أنفسنا حمقى)، دعونا نتأمل ما يخبرنا به سجل الصخور. وللحصول على ملخص (غير منحاز لصالح الخلقية) و مناسب لهذا السجل، دعونا نلاحظ قول "عميد علماء الحفريات الأمريكية" جورج جايلورد سمبسون، في كتابه أبرز ملامح التطور. كتب سيمبسون ما يلي:

السجل الذي لدينا بالفعل هو جيد بشكل مدهش. و يقدم لنا أمثلة تفصيلية كثيرة عن مجموعة كبيرة و متنوعة من الظواهر التطورية على مستويات أقل و مستويات متوسطة و بيانات وفيرة لحد ما و التي يمكن استخدامها إما عن طريق الاستقراء ذو الشاهد أو على أساس أخذ العينات الإحصائية للاستدلالات عن ظواهر على جميع المستويات حتى الأعلى منها. من بين الأمثلة الكثيرة فيها، بلا أدنى شك، و هي عن أنواع أو أجناس تتحول تدريجياً إلى آخر. و هذا التحول التدريجي هو أيضا إلى حد ما هو مثال جيد في الأسر و أحيانا الفصيلة، و كما تصنف المجموعات عادة .... و على الرغم من هذه الأمثلة، فإنه لا يزال صحيحاً، كما يعرف كل علماء الحفريات، أن معظم الأنواع الجديدة، و الاجناس، و الفصائل تبدو في السجل فجأة و لم يتم الوصول إليها تدريجياً من قبل سلاسل معروفة بتسلسل انتقالي مستمر.5

و من المهم للغاية أن ندرك ما يقوله سيمبسون. إن التحولات التدريجية تؤدي إلى أنواع جديدة، و أجناس جديدة، و بعض الأسر / تحت العوائل الجديدة، و عوائل جديدة من حين لآخر وفقا لسجلات الصخور. و مع ذلك، فإن معظم الأنواع، و الأجناس، و العوائل الجديدة تظهر فجأة. أي أنه لا يوجد سجل صخور للأجداد التي اتوا منها. وعلاوة على ذلك، من الناحية العملية تظهر كافة الرتب، و الأصناف، و الفصائل الجديدة فجأة، أي دون أجداد. كيف يتم التغلب على هذه العيوب المنهجية، و هذه الانقطاعات، و هذه الثغرات في سجل الحفريات؟ يقول سيمبسون، أن هذا يمكن أن يتم عن طريق الاستقراء و الاستدلال مما نحن قادرون أن نراه على المستويات الدنيا إلى ما نحن لسنا قادرين على العثور عليه في مستويات أعلى. و القول بأن مثل هذا التفسير للثغرات المنهجية في سجل الصخور، وخاصة على المستويات العليا، غير مرضِ تماما هو التفوه بتصريح بغير الحقيقة بشكل جسيم! ولكن كيف اذن، يمكن تفسير هذه الثغرات؟

أود أن أقترح أن سجل الصخور هو سجل طبيعي لنشاط الله الخلقي.  و أود كذلك أقتراح أن السبب في أن معظم الأنواع، الأجناس، و العوائل الجديدة، وعملياً كل الرتب، و الأصناف و الفصائل الجديدة التي تظهر فجأة في سجل الحفريات، هذه المظاهر تمثل أعمال خلق منفصلة لله في إيجاد "أنواع" جديدة من النباتات والحيوانات. وأود أن أقترح كذلك أن هذه الإبداعات المتميزة من "أنواع" جديدة من النباتات والحيوانات يتم توليفها مع الإطار الزمني الذي تم تقديمه في المحاضرة الثالثة من هذه السلسلة.

اقترحنا، في هذه المحاضرة، إطار زمني لارتباط أحداث الخلق وأيام الخلق في سفر التكوين 1-2. يتألف هذا الإطار من سبع فترات خلقية، وبعضها تتداخل في الوقت المناسب، وتميزت كل منها إلى مرحلة البداية، و مرحلة التحقيق الأساسية، ومرحلة الإنجاز النهائي. في كل فترة من الفترات الخلقية من الثانية إلى السابعة، تزامنت مرحلة التحقيق الأساسية مع اليوم الحرفي المعين. وكانت هذه أيام الخلق الستة في سفر التكوين 1.

و في توليف مفهوم عمليات خلقية متميزة من "أنواع" جديدة من النباتات والحيوانات مع هذا الإطار الزمني، وكذلك مع التاريخ الجيولوجي والبليونتولوجى، أود أن أقترح ما يلي:

(1) أن يوضع الخلق المباشر لمختلف "أنواع" النباتات على فترات مختلفة في الفترة الخلقية الرابعة، ابتداء من عصر ما قبل الكمبري الأخير، و تتواصل حتى الفترة الثالثة من عصر حقب الحياة الحديثة (الكينوزويك).

(2) أن يوضع الخلق المباشر لمختلف "أنواع" الحيوانات المائية على فترات في الفترة الخلقية السادسة، ابتداء من قرب أو في بداية العصر الكمبري من حقب الحياة القديمة و تستمر خلال الفترة الثالثة من عصر حقب الحياة الحديثة (الكينوزويك).

(3) أن يوضع الخلق المباشر لمختلف "أنواع" الطيور على فترات في الفترة الخلقية السادسة، ابتداء من العصر الجوراسي من الدهر الوسيط، وتتواصل حتى الفترة الثالثة من عصر حقب الحياة الحديثة (الكينوزويك).

(4) أن يوضع الخلق المباشر لمختلف "أنواع" الحيوانات الأرضية على فترات متفاوتة خلال الفترة الخلقية السابعة، التي تبدأ في الفترة السيلورية من حقب الحياة القديمة و تستمر خلال الفترة الثالثة من عصر حقب الحياة الحديثة (الكينوزويك).

(5) أن يوضع الخلق من العدم لنفس الإنسان و الخلق المباشر لجسم الرجل في ختام الفترة الخلقية السابعة، في مكان ما في الفترة الرباعية من حقب الحياة الحديثة (الكينوزويك).

وهكذا، من خلال الجمع بين البنية الفهمية للإطار الزمني المقترح الذي قدمناه لأحداث سفر التكوين 1-2 مع مفهوم الخلق في فترات المختلفة لكل "أنواع" النباتات والحيوانات، والإنسان في العالم، وصلنا إلى توليفة للبيانات الكتابية و العلمية ذات الصلة، التي سميناها النظرية الموحدة للخلق. ولكن هذا ليس استكمال مهمتنا. أنه ليس سوى البداية. و مع ذلك، و كبداية، لدينا "نظرية الخلقية، البديل المقترح لمذهب التطور." فليمنح الله أن يتم هذا العمل، بنعمته ومجده!


ملاحظات مرجعية:

1. جوليان أس هكسلي، التطور النشط (نيويورك: المكتبة الأمريكية الجديدة، 1953)، ص 10.

2. هوراشيو هاكيت نيومان، التطور، علم الوراثة، و علم تحسين النسل (شيكاغو: جامعة شيكاغو للطباعة، 1956)، ص 51.

3. أوغسطينوس، "ضد فيلكس الماني في الباترولوجيا لاتينا 42 : 525، فصل X

4. هيرمان بافينك، البروتستانتية الدوجماتية (كامبن: 1928)، 2: 458.

5. جورج جايلورد سمبسون، أبرز ملامح التطور (نيويورك: مطبعة جامعة كولومبيا، 1961)، ص 359-60.


Produced for IBRI 
PO Box 423
 
Hatfield, PA 19440


You can contact IBRI by e-mail at: rnewman@biblical.edu


Return to the IBRI Home Page

Last updated: January 19, 2002