IBRI Research Report #26 (1985) 

إسْتِقْصاء الحقيقة في الدين:

هل هناك أساس واقعي؟

جون أ بلوم

جامعة بيولا، لا ميرادا، كاليفورنيا

حقوق الطبع و النشر 1985  لـ هيئة بلومزبيري للأبحاث. جميع الحقوق محفوظة.

غير مسموح بنسخ هذه المقالة أو أجزاء منها بأي شكل من الأشكال دون إذن كتابي من صاحب حقوق الطبع.   سيتم منح الإذن بسرعة للمراجعين والمؤلفين و المدرسين وغيرهم من العاملين في مجال نشر دراسات الكتاب المقدس.

ملخص

بالنظر للتنوع غير المحصى للديانات المنتشرة اليوم، هل هناك أي وسيلة تمكننا من تحديد أي منها، إن وُجد، له أساس يجعلنا نتمسك به، غير تلك الأسس الثقافية أو الفلسفية أو العاطفية؟ و هل هناك أي أدلة خارجية قابلة للاختبار، أن دين ما هو الدين الصحيح؟ هناك اختبار بسيط اقترحه الله كما يقدمه الكتاب المقدس يسمح للإنسان العادي أن يميز الحق من الباطل بسرعة و فعالية، و يقدم أساساً موضوعياً للمسيحية الكتابية في مقابل النظم الدينية الأخرى.


 

ملاحظة من المحرر

على الرغم من إتفاق الكاتب مع البيان العقائدي لمعهد بحوث الكتاب المقدس القائمة على تخصصات عديدة (IBRI)، إلا أن هذا لا يعني أن جميع وجهات النظر التي دونها الكاتب في هذه المقالة تمثل المواقف الرسمية للمعهد. و حيث أن إحدى أهداف سلسلة التقارير التي ينشرها معهد IBRI، هو أن تكون بمثابة منتدى للمناقشة قبل الطباعة، لذلك فمن المحتمل أن يكون الكاتب قد نقح بعض جوانب هذه المقالة وقام ببعض التعديلات فيها، منذ أن قام بكتابتها لأول مرة.

رقم الكتاب القياسي الدولي (ISBN): 0-944788-26-2


 

إسْتِقْصاء الحقيقة في الدين:هل هناك أساس واقعي؟

جون أ بلوم، حاصل على دكتوراه

"كيف تعرف أنك على حق؟" يركز الباحث الجيد برنامجه البحثي بالكامل على هذا السؤال. فهو يقوم بعرض البيانات التجريبية الموضوعية ويبرر افتراضاته النظرية في محاولة منه لإثبات أن نموذجه هو الأفضل تناسباً مع البيانات الموضوعية المتاحة. ومع ذلك، فإن العواطف لا مكان لها في التجربة العلمية. وقد حدث كثيراً أن أحد العلماء قد شعر بالإقتناع قَطْعَاً بأن نظريته وبياناته التجريبية صحيحة، و ذلك فقط ليجد فيما بعد أن نتائج شخص آخر قد فندت نظريته الجميلة تماماً.

هل مثل هذا النهج "العملي" نحو الحق، غير واقعي؟ بالتأكيد أنه من الواضح في معظم مجالات الحياة أنه يتعين على المرء التصرف على أساس الحقائق وليس بالإعتماد على العاطفة. فعندما نقود سيارة نتوقف عند التقاطعات إذا كان هناك ضوء أحمر، وليس لأننا نشعر بأننا نحب ذلك، ولكن إذا لم نفعل فإنه على الأرجح سنصطدم بسيارة أخرى في النهاية، أو نقف بواسطة ضوء أحمر آخر، و في هذه المرة يرافقه صفارات الإنذار.

و كلما كان القرار أكثر خطورة، كلما كبرت أهمية البحث عن الحقائق التي يمكن اتخاذ هذا القرار على أساسها. فالطبيب مثلاُ لا يحكم على العقاقير التي يصفها لمرضاه على أساس اللون والنكهة، ولكن بناءاً على فعاليتها. و عندما يتخذ الناس قرار لشراء منزل، يميلوا إلى التساؤل عما إذا كان المنزل فيه نمل أبيض، و إذا كان هناك تسريبات في السقف، و هل ينشع الماء في الطابق السفلي كل ربيع، ومدى جاذبية الحي. ومع ذلك، فإن جميع أصحاب العقارات يعرفون أن بعض الناس الاغبياء سوف يختاروا منزلاً ما فقط لأنهم يحبون لونه. و على هذا ففي العالم الواقعي، واحدة من أكثر الأمور حكمة و التي يمكننا القيام بها هو أن نسأل أنفسنا، "كيف يمكنني أن أكون على يقين من أن هذا صحيح؟" و بالقيام بهذا يمكننا تجنب الخداع بواسطة عواطفنا للقيام بشيء نأسف عنه فيما بعد.

و على افتراض أننا نقصد "بالدين" أي فلسفة أو نظام إيمان يزعم أنهيُخبرنا بما سيحدث لنا بعد الموت، فبالتأكيد من المهم لنا أن نطرح مثل هذا التساؤل عن مختلف الأديان. ففي النهاية، تعتمد حالتنا بعد الموت على القرارات التي نتخذها و نحن على قيد الحياة. و للأسف، تبدو الديانات على أنها موضوع لم يتم طرح أسئلة أبداً من مثال "كيف تعرف أنك على حق؟". أو إذا طُرحت، فإن الجواب هو: "لأني أعرف فقط أنه صحيح!" أو، "صليت وطلبت من الله أن يريني ما إذا كان صحيحاً، وشعرت بحرارة في قلبي أنه صحيح!" بالنسبة لشخص مفكر، هذه المعايير الذاتية مجرد هروب من السؤال.

و هناك ثمة مشكلة أخرى مع الدين ألا و هى أنه له أنواع تختلف فيما بينها بل وحتى تتصارع فيما تقوله لك عما ينبغي القيام به من أجل المرور بخبرة الموت بسعادة. فعلى سبيل المثال، يقول المورمون أنك يجب أن تعتمد في إحدى مراسمهم خاصة من أجل "النجاح"، في حين يجادل المسيحيون الإنجيليون أنه يمكنك فقط أن تخلص بالإيمان بموت المسيح على الصليب على أنه الثمن الكلي و والوحيد لخطاياك - المعمودية وما شابهها هي مجرد رموز، ولكن ليست ضروريات. من هو إذن، على حق؟ في العلم، عندما يقدم الناس نظريات مختلفة، تكون هناك دعوى فورية للقيام بتجارب مادية يمكن إعادتها، مقدمة نفس النتائج، للتحقق من إدعاءاتهم. ومع ذلك، فإن معظم الأديان تلجأ إلى الخبرات العاطفية ("الروحية") من أجل "تأكيد" دعواهم. فعلى سبيل المثال، في مستهل كتاب المورمون، نجد الآتي مكتوباً:

"وعندما تنالون هذه الأمور، أود أن أَحَثَّكم أن تسألوا الله ... ما إذا كانت هذه الأمور غير صحيحة، و... هو سيظهر الحق، من خلال قوة الروح القدس."

في الواقع يعتبر هذا 'الإظهار' تجربة ذاتية باطنية. في الأساس، يعدك المورمون أنه سيكون لك نفس التجربة العاطفية التي لهم. بالطبع، يعرف كل عالم أنه إذا ما قمت بإعداد تجربتك بنفس الطريقة تماماً مثل باحث سابق، يمكنك إعادة تكرار نتائجها.   يُثبت التكرار التجانس، لا الحق.

و بينما يمكن للأحاسيس أن تكون نظام كاف للحكم في اتخاذ قرار بشأن نوع الملابس التي نلبسها بعد الاستيقاظ في الصباح، إلا أنها لا يجب أن يكون لها مكان في بحثنا عن الحقيقة في الدين. و الأسئلة التي يجب طرحها هي كالتالي: كيف توصلوا للإعتقاد أنهم على حق؟ و هل كان أساسهم قابل للاختبار، أم أن المطلوب مني هو "الإيمان الأعمى؟" و ما هو أسوأ من ذلك، أتم إخباري أن أثق بتجربة عاطفية خاصة؟ و هل المشاعر الجياشة ("الشاهد الداخلي") هى الضمان الوحيد الذي يمكن أن يقدموه ليثبتوا لي أنه إذا ما اعتقدت بما يقولوا، سأكون في حالة جيدة بعد الموت؟

ومن الواضح أن أفضل اختبار لمختلف الأديان هو أن تؤمن بواحد منها، و تموت، و تعود مرة أخرى للحياة إذا لم ينجح و تقوم بإختبار دين آخر. ومع ذلك، ليس لدينا أي دليل موضوعي على أن الناس يمكنهم فعل هذا (مرة أخرى، بصرف النظر عن الاختبارات العاطفية لبعض الناس)، و على هذا، قد يكون من الحكمة أن نبدأ بتلك الأديان التي تدعي أن الإنسان ليس لديه سوى حياة واحدة لاتخاذ القرار الصحيح.

و من بين هذه، دعونا نبدأ بالنظر لواحدة من عدد قليل من الأديان التي تدعي أن هناك عواقب وخيمة لعدم الإيمان بها عندما نموت: المسيحية الكتابية (على النقيض من الكاثوليكية و الأشكال الليبرالية من المسيحية). كيف لنا أن نعرف أن مزاعم الكتاب المقدس، بدلاً من تلك الكتب الدينية لثقافات أخرى، يمكن أخذها على أنها صحيحة؟ و هل يقدم لنا الكتاب المقدس "دليلاً" على شكل تجارب عاطفية، مثل الأديان الأخرى؟ ضع في الاعتبار ما يلي:

"قدموا دعواكم"، يقول الرب. "أحضروا حججكم"، يقول ملك يعقوب.‏ "قدموا أصنامكم ليخبرونا بما سيحدث.  اخبرونا ما هي الأوليات؟ فنجعل عليها قلوبنا ونعرف آخرتها، أو أعلمونا المستقبلات. أعلنو لنا بالآتيات فيما بعد فنعرف أنكم آلهة. و افعلوا شيئا ما خيراً أو شراً فنفزع و نمتليء بالخوف.

"من اذن، هو مثلي؟ فلينادي، فليخبر ويعرض أمامي ما حدث منذ أن وضعت الشعب القديم. و ما هي المستقبلات. فليخبر بما سيأتي.‏ لا ترتعبوا ولا ترتاعوا. أما أعلمتكم منذ القديم وأخبرتكم؟ فأنتم شهودي. هل يوجد إله غيري؟ لا ولا صخرة لا أعلم بها."‏

إشعياء 41: 21-24، 44: 7-8

يبدو كما لو أن إله الكتاب المقدس يدعو للامتحان: امتحان ينطوي على التنبؤ الموضوعي للأحداث المستقبلية في التاريخ البشري. و هكذا يبدو كما لو أنه لا يطلب منا أن نؤمن به على أساس إيمان أعمى أو تجارب عاطفية. منطقياً، يمكننا تطبيق هذا التحدي على "الآلهة" الأخرى ونتساءل عما إذا كان إله الكتاب المقدس يمكنه التنبؤ بالمستقبل بنفسه. فإذا كان يمكنه ذلك، ولم يكن هناك دين آخر يمكنه إثبات ادعاء مماثل، فمن ثم يكون لدينا تأكيداً موضوعياً تاريخياً قابل للامتحان أن إله الكتاب المقدس هو الإله الوحيد الموجود.

 

تعريف

قبل أن نتابع، يتوجب علينا أن نحدد ما نعنيه "بالتنبؤ بالمستقبل". بشكل عام، يجب أن تتوفر أربعة معايير:

1) يجب أن يكون التنبؤ واضحاً بما فيه الكفاية ليتم الاعتراف به عندما يحدث.

و نعني بهذا أنه لا يمكن أن يكون غامضاً أو فيه خداع بحيث يمكن "قبول تحقيقه" أياً كان ما سيحدث.

2) يجب أن يكون معروفاً أن التنبؤ قد تم الإعلان عنه قبل تحقيقه.

وإلا، كيف يمكن أن يكون يُسمى تنبؤ؟

3) لا ينبغي أن يتأثر تحقيق التنبؤ بالشخص الذي قدمه، أو من خلال أتباعه الغيورين.

وهكذا عبارات مثل، "سوف اذهب الى محل بقالة غدا،" لا يمكن اعتبارها كتنبؤ حقيقي.

4) يجب أن يكون التنبؤ أكثر من مجرد تخمين جيد.

يجب أن يكون زمن تحقق التنبؤ بعيد بما فيه الكفاية بحيث لا يمكن إعتباره مجرد تخمين جيد (على سبيل المثال: توقع الرئيس المقبل في مقابل توقع من سيكون الرئيس بعد مائة سنة من الآن). أو يجب أن يكون التنبؤ مفصلاً بما فيه الكفاية بحيث لا يكون من الممكن تخمينه (الرئيس المقبل كونه جمهوري مقابل الفوز بعدد 2300541 صوت).

و لتوضيح المصطلحات، سنعتبر أي تنبؤ يتوفر فيه كافة المتطلبات المذكورة أعلاه على أنه "نبوة".

من الواضح، أن تقديم نبوات أمر صعب للغاية: اسأل أي خبير في الأرصاد الجوية.   و يبدو أن أكثر الأحيان، يسمع الواحد المذيع يتوقع يوماً مشمساً بعد الظهر، بينما في الواقع، السماء تمطر خارجاً.   و كذلك أيضاً مذيعو الرياضية هم بارعون على نحو خاص في "الخطأ" عندما يحاولون تخمين من هو الفريق الذي سيفوز.

 

الخدع المتنوعة

من آن لآخر في التاريخ، ادعت جماعات دينية مختلفة أن لديها قدرة خاصة على التنبؤ بالمستقبل. ومع ذلك، بعد بعض الدراسة، نجد أن " نبواتهم" لا يتوفر فيها المعايير المذكورة أعلاه.

1) يشتهر اليونانيون القدماء بنبوات غامضة: و تتعلق واحدة من أكثر الحالات مأساوية بكرويسوس ملك ليديا، الذي ذهب إلى عرّافة من دلفي ليستفسر عن هجومه المخطط له على كورش ملك فارس. و أبلغته "النبية" هناك: "إذا كنت ستزحف و تهاجم كورش، سيتم تدمير إمبراطورية عظيمة."   و لكنه لم يلحظ الغموض، فتشجع كرويسوس إلى حد كبير، و خرج لمهاجمة كورش، و بالفعل تم تدمير إمبراطورية عظيمة الخاصة به هو!

2) يدعي المورمون أيضاً أن لديهم نبوات رائعة قد تحققت. ففي مستهل كتاب المورمون نقرأ:

"تم التنبؤ بتاريخ أميركا قبل 2500 سنة - نافي 1، الفصل 15، صفحة 22.

أ- كولومبوس، الآية 12

ب- مصير الهنود، الآية 14

جالبيوريتان (المتشددون)، الآية 16

د- الحرب الثورية، الآيات 17 - 19

هـ- الكتاب المقدس، الآيات 23 - 29."

كان من الممكن أن تكون هذه النبوات مدهشة حقاً ولكن هناك ثمة مشكلة واحدة: إن أقرب تاريخ لأي مخطوطة ملموسة و معروفة لكتاب المورمون هو 1823. هكذا الإدعاء بأن تاريخها 2500 سنة هو مجرد - زعم، الذي قد يكون مقبولاً على أساس الإيمان الأعمى.

هناك نبوات أخرى للمورمون، ولكن الكثير منهالم يتحقق. أحد الأمثلة الحديثة له علاقة بقبول السود في الكهنوت المورموني. فلقد علّم بريغهام يونغ، أحد مؤسسي المورمونية، أن السود "لا يمكن أبداً أن يكون لهم كهنوت أو المشاركة فيه حتى ينال كل نسل آدم الأخرين [البيض] المواعيد و يتمتعوا ببركات الكهنوت .... حتى ينال آخر ما بقي من ابناء آدم [البيض] ذلك الموضع الجيد، فإن أولاد قابيل [السود] لا يمكنهمنوال الدرجات الأولى للكهنوت". (مجلة الخطابات، المجلد 7، ص 290-291). ومع ذلك، ففي 9 يونيو 1978 أصدرت الكنيسة المورمونية وحي جديد الذي من شأنه أنه يُمكن أن يُسمح للسود الآن نوال الكهنوت. و مثل هذا التعديل و التكييف 'للوحي' النبوي الذي قدمه أحد أنبيائهم العظام، حتى لو كان يستحق الثناء كنتيجة نهائية، لا يزال يجعله نبي كاذب. لمزيد من الأمثلة والمعلومات، يمكنك الاتصال بخدمة منارة، ص ب 1884، مدينة سولت لايك، ولاية يوتا 84110.

3) و اليوم، هناك بعض الناس يمكنهم تقديم نبوات دقيقة. و الأكثر شهرة هى جين ديكسون، التي توقعت اغتيال كنيدي. ومع ذلك، عندما ندرس مختلف التوقعات التي قدمتها على مر السنين، نجد أن الكثير منها لم يتحقق على الإطلاق. هل هذا يعني أن جين نبية بنسبة 40٪، أو أننا يمكن أن نثق بما تقول 40٪ من المرات؟ و حول هذه النقطة، يقدم إله الكتاب المقدس تعليق مهم:

"وأما النبي الذي يطغي، فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به، أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى، فيموت ذلك النبي.‏ وإن قلت في قلبك: كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب؟‏ فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر، فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب، بل بطغيان تكلم به النبي، فلا تخف منه.‏"

سفر التثنية 18: 20-22

وهكذا فإن إله الكتاب المقدس يؤكد أن كمال دقة التنبؤ سيميز مَن هم أنبيائه في الواقع: إذا كان أي شخص ادعى أنه نبي و قد أخطأ مرة في التنبؤ، فيجب اعدامه. و بالتأكيد فإن هذا الاختبار الإضافي يضيق مجال المتنافسين. فيتوجب علينا أن لا نكون خائفين، ولا ينبغي أن نثق في أي نبي ارتكب أخطاء واضحة.

هناك عدد قليل جداً من الأديان تقدم نبوة موضوعية لدعم ادعاءاتها بالصحة.  فالقرآن واحد من العديد من الكتب الدينية التي حتى لم تحاول:

س: لماذا لم يتم إعطاء أي آية له (لمحمد) من ربه؟ "وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ"

الجواب: " قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ" الآيات في يد الله، مهمتي هي فقط تقديم تحذير عادي. ألا يكفيهم أننا قد أنزلنا لك هذا الكتاب لتعليمهم؟

القرآن الكريم، سورة 29 ("العنكبوت") 50/49

 

لم يقدم محمد نبوات وافية حول الدينونة الأخيرة (يوم القيامة). ومع ذلك، بحلول الوقت الذي يمكن التحقق فيه من هذه النبوات قد يكون فات الأوان للرجوع عما نحن فيه.

وهكذا يبدو أن قليل من "الآلهة" ستسمح بالطعن في سلطتها بأي دليل يمكننا اختباره و التحقق منه اليوم. و الآن و لأن لدينا اختبار محدد للعمل به، يمكننا التحقق من نبوات الكتاب المقدس ذاتها.

 

نبوات من الكتاب المقدس

من قراءة العهد القديم، نجد أن كتّابه اُعتبروا كأنبياء صادقين. وبطبيعة الحال، لا يمكننا التحقق من النبوات التي أثبتت هذاالمزعم لمعاصريهم، لأنه ليس لدينا اليوم ثمة دليل بأن نبواتهم قصيرة المدى قد قدموها قبل حدوثها. ومع ذلك، يمكننا أن نسأل ما اذا كانوا قد قدموا أي نبوات طويلة المدى؛ و التي تم تحقيقها بشكل واضح جدا بعد تقديمهم للنبوة. و لأجل أهدافنا الخاصة، سيكون هذا أي وقت قريب من أو بعد زمن المسيح، لأنه بحلول ذلك الوقت كان مُجمل العهد القديم له أكثر من 200 سنة وكان يوزع على نطاق واسع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية في كل من اللغة العبرية والترجمة اليونانية، مما يجعل من الصعب القيام "بتصحيحات".

و بعد إكْتِشاف أنه لا توجد نبوات في القرآن الكريم و كتاب المورمون، قد يبدو من الغريب أن نلاحظ أنه يوجد الكثير من النبوات طويلة المدى في الكتاب المقدس لدرجة أن هذا المقال الوجيز يمكن أن يتحول إلى كتاب إذا ما اردنا تغطيتها كلها. ولكن حينئذ و بدلاً من ذلك فإن شمولها كلها في مقالة واحدة قصيرة يؤدي لإعتبارها أدلة غير حاسمة. ومن ثم، سننظر فقط لبضعة أمثلة. و الكتاب المقدس وكتب التاريخ متاحة للجميع.

 

1. ممفيس (منف).

كانت ممفيس، العاصمة العظيمة لمصر القديمة، أيضاً المركز الشمالي لطوائف دينية كثيرة في مصر. و بالتالي لا نستغرب عندما يعلن إله الكتاب المقدس من خلال حزقيال: "وأبيد الأصنام وأبطل الأوثان من ممفيس" (حزقيال 30 : 13). فهل تحقق هذا؟ في وقت قريب من المسيح، وجد سترابو (المؤرخ اليوناني) المدينة "الكبيرة والمزدحمة بالسكان، تلي الإسكندرية في الحجم." و وصف الآلهة والمعابد والتماثيل الكثيرة التي شغلت هذا المركز الديني. و تقدم الموسوعة البريطانية تعليقاً مقتضباً أن المسيحيين الغيورين خلال القرن الثالث قاموا بتشويه و تدمير بعض الأصنام في ممفيس. هذا أمر جيد، ولكن ليس ما يمكن تسميته تحقيق النبوة.

ومع ذلك، في القرن السابع تغير المشهد: اجتاح أتباع محمد الشرق الأوسط، و قهروا مدينة تلو مدينة، و قاموا بتحويل الناس من عبادة الأصنام إلى الإسلام بتهديد السيف.  و عندما توسعت الإمبراطورية الإسلامية، قرر المسلمون أن العواصم الإقليمية الجديدة يجب أن يتم بناؤها في مواقع لم يسبق أن كان فيها عبادة وثنية. و كان الموقع المختار للمركز المصري، هو حيث القاهرة اليوم، و هو على بعد عشرة أميال من ممفيس. و عندما نمت هذه المدينة الجديدة، فإن سكان ممفيس جنحوا إلى القاهرة، و أصبحت حجارة ممفيس محجراً مناسباً للحصول على الحجارة لتوسيع العاصمة الجديدة.

و في مُنْقَلَبُ القرن العشرين، وجد عالم الآثار الشهير فلندرز بيتري صعوبة في العثور على مكان ممفيس القديمة، و ذلك لأن المنطقة صارت مُشَجّرة و لم توجد هناك أنقاض مرئية فوق سطح الأرض. و قدم التنقيب في المنطقة القليل من التماثيل: وجد بيتري تمثال صغير لأبو الهول بحجم رجل و تمثال كبير للملك رمسيس الثاني و الذي كان مكسوراً الى ثلاث قطع (و منذ ذلك الحين تم نقلها إلى المتاحف).

وهكذا فإن أصنام و أوثان ممفيس دُمرت و تم استخدامها لبناء مدينة القاهرة. لنلاحظ كيف تحققت هذه النبوة بالضبط: فكان ممكناً بالتأكيد أن لا تتحقق بغض النظر عن ما حدث. حقاً أن جميع المدن القديمة تم اجتياحها و تدميرها على الأقل مرة واحدة واحدة حتى الآن، وقد تم اخلاء العديد من المواقع، و لكن نادراً ما نجد مدينة يتم تجريف أنقاضها لدرجة أن لا يُترك منها شيئا اليوم. كعنصر ضابط، دعونا ننظر في نبوة تخص مركز ديني مصري آخر.

 

2. طيبة.

كانت طيبة، أكبر مدينة في جنوب مصر، مركزاً آخراً ذي شهرة عالمية للعبادة المصرية القديمة.   و في نفس السياق المذكور عن النبوة السابقة المتعلقة بممفيس، فإن إله الكتاب المقدس يقول: "و سوف .... أجري أحكاما في نو (طيبة) .... و أستأصل جمهور نو (طيبة) .. و طيبة ستأخذها العاصفة." (حزقيال 30 : 14-16).  و نجد من التاريخ، أن الله بوضوح قام بتنفيذ الحكم على طيبة.   فعندما سبى كل من نبوخذ نصر و قمبيز طيبة وحرقوها بالنار، فقط في وقت بعد ذلك بكثير نجد تحقيق هذه النبوة. فقد هاجم بطليموس التاسع سوتر لاتيروس "منقذ حمص" (جد كليوباترا) المدينة في سنة 92 قبل الميلاد، و بعد حصار دام لمدة ثلاث سنوات، سلب المدينة  و أحرقها بغضب شديد.

بعد ذلك، لم تستعد طيبة أبداً مكانتها كمدينة مرة أخرى. و عندما زار سترابو المدينة في سنة 25 قبل الميلاد، أشار إلى أن هذه المدينة الضخمة قد تحولت إلى عدة قرى صغيرة.   و اليوم تنتشر تسع قرى صغيرة في المنطقة. فبالتأكيد تمت كلمة "أستأصل" جمهور طيبة (الكلمة في العبرية العامية و المقصود بها "قتل"). إلا أن المنطقة لا تزال مأهولة بعدد قليل من السكان (في تناقض مع نبوات ضد مدن أخرى مثل البتراء، والتي قالت النبوات أنه لا يمكن لأحد أن يعيش فيها بعد).

وعلاوة على ذلك، فإن أنقاض طيبة لا تزال قائمة. فيوجد مقال طويل في الموسوعة البريطانية عن طيبة يُظهر العديد من الصور الفوتوغرافية الملونة لمعابد وأصنام، و تماثيل لهذا المركز الديني القديم. لاحظ أنه إذا كان حزقيال قد ارتكب خطأ بسيط بمجرد عكس أسماء هذه المدن، فإن كلا النبوتين ستكون خطأ. مُحيت الأوثان من ممفيس، إلا أنها لا تزال موجودة في طيبة. و لم تتعرض ممفيس أبداً للهجوم و التدمير الشديد مثل طيبة. و لم يتم قتل شعب ممفيس؛ بل انتقلوا إلى القاهرة.

شهدنا حالتين من النبوات التي تم تقديمها قبل قرون من تحقيقها. كانت النبوات موجزة، و لكن ليست غامضة بحيث يمكن تطبيقها على أي مدينة قديمة. و لم تساعد فرقة من الأتباع المتحمسين على تحقيق هذه النبوات (فالمسلمون ليسوا مولعين بحزقيال). و من ثم يبدو أن هذه تعتبر نبوات حقيقية أعطيت من قبل الله في الكتاب المقدس لإثبات ادعاءه بأنه يمكن الوثوق به.

3. صور.

"لذلك هكذا قال السيد الرب: هأنذا عليك يا صور فأصعد عليك أمما كثيرة كما يعلي البحر أمواجه.‏ فيخربون أسوار صور ويهدمون أبراجها. وأسحي ترابها عنها وأصيرها ضح الصخر،‏ فتصير مبسطا للشباك في وسط البحر، لأني أنا تكلمت، يقول السيد الرب. وتكون غنيمة للأمم.‏و بناتها اللواتي في الحقل تقتل بالسيف، فيعلمون أني أنا الرب.

"لأنه هكذا قال السيد الرب: هأنذا أجلب على صور نبوخذنصر ملك بابل من الشمال، ملك الملوك، بخيل وبمركبات وبفرسان وجماعة وشعب كثير، فيقتل بناتك في الحقل بالسيف، ويبني عليك معاقل، ويبني عليك برجاً، ويقيم عليك مترسةً، ويرفع عليك ترساً،‏ و يجعل مجانق على أسوارك، ويهدم أبراجك بأدوات حربه.‏ ولكثرة خيله يغطيك غبارها. من صوت الفرسان والعجلات والمركبات تتزلزل أسوارك عند دخوله أبوابك، كما تدخل مدينة مثغورة.بحوافر خيله يدوس كل شوارعك. يقتل شعبك بالسيف فتسقط إلى الأرض أنصاب عزك.

"وينهبون ثروتك (لاحظ التغيير من ضمير هو إلى الضمير هم)، و يغنمون تجارتك، و يهدمون أسوارك، ويهدمون بيوتك البهيجة، ويضعون حجارتك وخشبك وترابك في وسط المياه.‏ وأبطل قول أغانيك، وصوت أعوادك لن يُسمع بعد.‏ وأصيرك كضح الصخر، فتكونين مبسطا للشباك.لا تبنين بعد، لأني أنا الرب تكلمت، يقول السيد الرب.‏"

حزقيال 26: 3-14

تعتبر هذه النبوة عن دمار مدينة صور و مصيرها، الواحدة الأكثر اذهالاً من جميع النبوات الكتابية ضد المدن القديمة. ففي زمن حزقيال، كانت صور أعظم مدينة بحرية على ساحل البحر الأبيض المتوسط. جغرافياً، كانت صور تقع على الساحل، و لها ميناء طبيعي ممتاز و تحميها جزيرة تقع على بعد نصف ميل من الشاطئ. و كانت المدينة الرئيسية على البر، ولكن يبدو و أنه قد تم بناء بعض 'الضواحي' في الجزيرة. كما هو مبين في النبوة، أحتل نبوخذنصر المدينة التي على البر في 573 قبل الميلاد بعد حصار دام ثلاثة عشر عاماً. ومع ذلك، فإن معظم الناس انتقلوا بثرواتهم إلى الجزيرة، و لأن نبوخذنصر لم يكن لديه جيش بحري، تخلى عن أي هجمات أخرى على صور.

و في سنة 332 قبل الميلاد هاجم الإسكندر الأكبر مدينة صور و هو في طريقه إلى مصر. و منذ زمن نبوخذنصر، بقيت صور على الجزيرة، و لم يتم إعادة بناء ملحوظ فى البر الرئيسى. و لعدم وجود جيش بحري لمساعدته، استخدم الإسكندر "القوة الغاشمة" لبناء جسر بري بعرض 200 قدم من البر إلى الجزيرة. و لم تكن هذه المهمة سهلة؛ فقد إتخذت القوى العاملة مجتمعة من الدول العديدة التي كان قد غزاها بالفعل. و للحصول على مواد البناء، استخدم الإسكندر أسوار و مباني المدينة القديمة التي كانت على البر الرئيسى. و نظراً لكثرة المواد اللازمة لإنهاء الطريق، فقد قام العمال بتجريف المنطقة تماماً.  و نجح الإسكندر أخيراً في اجتياح صور، ولكن المدينة على الجزيرة تعافت بسرعة. ففي زمن المسيح، كانتصور لا تزال ميناء رئيسي.

و خلال الحروب الصليبية، تم القتال لغزو صور بكثافة. و في سنة 1291 تم الاستيلاء عليها من قبل المسلمين الذين قاموا بتدميرها تماماً لمنع استخدامها كسلاح من الشاطئ للقيام بعمليات التوغل في المستقبل. و بقي الموقع مقفر لمئات السنين وفي وقت متأخر من القرن 18، بدأت قرية صيد صغيرة على الجزيرة. و اليوم هذه القرية يبلغ عدد سكانها حوالي 12000، لكنها لا تشغل الموقع الرئيسى القديم لمدينة صور على البر. و يستخدم هؤلاء الصيادين المناطق الجرداء المسطحة الكبيرة كمكان لنشر شباكهم لتجف.

و حتى لو كان صحيحا أن أجزاء من هذه النبوة التي تشير إلى نبوخذ نصر قد تم'التنبؤ' بها بعد هجومه على صور (على حد المعادين للمسيحيين رغم عدم وجود بيانات لدعم فرضيتهم)، إلا ان الجوانب بعيدة المدى أن أنقاض المدينة القديمة قد القيت في البحر، و أن المدينة لم يعاد بناؤها أبداً بعد خرابها في عام 1291 وأن الصيادين اليوم يستخدموا الموقع كمكان لتجفيف شباكهم، يبين أن الجزء الأكبر من النبوة لم يكن عملاً تخمينياً بكل تأكيد.

و لأن معظم المدن القديمة صارت أطلالاً، يتوجب علينا أن ننظر إلى مصير غيرها من المدن الساحلية اللبنانية كوسيلة ضابطة علمية للمقارنة مع صور. مدينة صيدا اليوم و هى ميناء رئيسي حديث له 20 كيلومتر على طول الساحل، تعتبر ضابط علمي جيد خاصة و أنه لقرون عديدة اعتبر المدينة التوأم لصور. و عندما ننظر في الكتاب المقدس لأي نبوات متعلقة بصيدا، نجد:

"هكذا قال السيد الرب: هأنذا عليك يا صيدون و سأتمجد في وسطك، فيعلمون أني أنا الرب حين أجري فيها أحكاماً وأتقدس فيها. و أرسل عليها وباءاً و دماً إلى أزقتها، و يسقط الجرحى في وسطها بالسيف الذي عليها من كل جانب، فيعلمون أني أنا الرب."

حزقيال 28: 22-23

لاحظ أنه لا يوجد تعليق هنا أن "صيدا سيتم تدميرها و لم يتم إعادة بنائها أبداً."   و نرى مرة أخرى أنه إذا تم عكس أسماء المدينتين في النبوات، وهما يبعدان عن بعضهما مسافة عشرين ميلاً فقط، علينا أن نعترف أنها قد فشلت. وهذا يدل على أنه ليس هناك التباس أو غموض في هذه النبوات الكتابية أو ثمة ما يمكن اخذه بأكثر من معنى: ما تم التنبؤ به قد حدث بكل بساطة.

4. بابل.

"وتصير بابل، بهاء الممالك وزينة فخر الكلدانيين، كتقليب الله سدوم وعمورة.‏ لا تعمر إلى الأبد، ولا تسكن إلى دور فدور، ولا يخيم هناك أعرابي، ولا يربض هناك رعاة،‏بل تربض هناك وحوش القفر، ويملأ البوم بيوتهم، وتسكن هناك بنات النعام، وترقص هناك معز الوحش،‏وتصيح بنات آوى في قصورهم، والذئاب في هياكل التنعم، ووقتها قريب المجيء وأيامها لا تطول."‏

إشعياء 13: 20-22

"فلا يأخذون منك حجراً لزاوية، ولا حجراً لأسس، بل تكون خراباً إلى الأبد، يقول الرب."

ارميا 51 : 26

هنا نجد مرة أخرى النبوات تتحقق حرفياً.  ففي زمن الإسكندر الأكبر، كانت بابل لا تزال مدينة عظيمة. ولكن بعد سلسلة طويلة من الصراعات والمعارك السياسية من أجل السيطرة بعد وفاته، قرر السلوقيون أنه سيكون من الأسهل بناء مدينة جديدة من استعادة بابل. و قبل زمن المسيح، يمكن لسترابو أن يعلق فقط "أصبحت المدينة العظيمة صحراء".

إن موقع بابل اليوم خراب. و تم العثور على أقرب الحضارة في الحلة، على بعد ستة أميال. و لأسباب خرافية، لا يعيش العرب في الأطلال، حتى أنها قد أصبحت مسكناً للحيوانات الصحراوية. و التربة في المنطقة فقيرة لدرجة أنها لا توفر ما يكفي من العشب للأغنام. و الأكثر دهشة هو السكان الاصليين الذين قاموا بتخريب الموقع للحصول على مواد البناء لم يأخذوا سوى الطوب. و قاموا بحرق الحجارة التي وجدوها للحصول على الجير.  حتى علماء الآثار غير المسيحيين الذين يزورون الموقع أذهلوا أن تصوير أشعياء لأطلال بابل دقيق جداً (راجع هـ م ف ساجس، في علم الآثار ودراسة العهد القديم، تحرير د. وينتون توماس، ص 41).

و ربما هناك سبب في أن أشعياء قال: "يارب، أنت إلهي أعظمك. أحمد اسمك لأنك صنعت عجباً. مقاصدك منذ القديم أمانة وصدق.‏ لأنك جعلت مدينة رجمة. قرية حصينة ردماً. قصر أعاجم أن لا تكون مدينة." (أشعياء 25: 1-2).

و بالتحقيق الموجز للنبوات الخاصة ببعض المدن القديمة، وجدنا أدلة تختلف كثيراً عن تلك التي في القرآن أو كتاب المورمون. لدينا تصوير لغوي وأوصاف للانقاض التي تتفق مع ما نراه اليوم، وأبعد من ذلك، العديد من هذه المدن قد تم تدميرها بعد زمان المسيح. و المدن التي تنبأ عنها الكتاب المقدس أنها ستتدمر و لن يعاد بنائها، تم تدميرها و لم يعاد بنائها أبداً. و المدن التي لم يتنبأ عنها الكتاب المقدس بأن تكون خرابا، لا تزال مزدهرة و قائمة.

و لحسن الحظ، فإن العديد من النبوات في الكتاب المقدس تتعلق ذاتها بمواضيع أكثر أهمية بالنسبة لنا عن المدن القديمة. فتلك المتعلقة بشعب التوراة المختار، دولة إسرائيل، تستحق اهتماماً خاصاً منا.

5. إسرائيل.

عندما أخرج موسى بني إسرائيل من مصر إلى أرض الموعد، أعطى إله الكتاب المقدس لإسرائيل سلسلة من القوانين ووعد أن يباركهم كثيراً إذا ما أطاعوه. ومع ذلك، إذا عصاه الإسرائيلون، حينئذ وعد الرب:

"... فتستأصلون من الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها.‏ و يبددك الرب في جميع الشعوب من أقصاء الأرض إلى أقصائها، وتعبد هناك آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك، من خشب وحجر.‏ وفي تلك الأمم لا تطمئن ولا يكون قرار لقدمك، بل يعطيك الرب هناك قلبا مرتجفا وكلال العينين وذبول النفس.‏  و تكون حياتك معلقة قدامك، و ترتعب ليلا ونهارا ولا تأمن على حياتك.‏  في الصباح تقول: يا ليته المساء، وفي المساء تقول: يا ليته الصباح، من ارتعاب قلبك الذي ترتعب، ومن منظر عينيك الذي تنظر.‏ و يردك الرب إلى مصر في سفن في الطريق التي قلت لك لا تعد تراها، فتباعون هناك لأعدائك عبيدا و إماءا، وليس من يشتري"

تثنية 28 : 63-68

في حين أن التاريخ العام لليهود منذ السبي النهائي لأورشليم كان تاريخاً من الاضطهاد شبه المستمر كما تنبأ إله الكتاب المقدس، إنه لأمر مأساوي ولكن جدير بالإشارة أن هذا الوعد الأخير المعين، بأن اليهود سوف يتم شحنهم إلى مصر كعبيد ، تحقق حرفياً في سنة 70 م. فبعد استيلاء تيطس على المدينة، تم شحن كل الناجين فوق 17 سنة من العمر إلى مصر ليتم بيعهم في سوق النخاسة والعمل في المناجم هناك. و هذا التدفق من العبيد العبرانيين أشبع تماماً سوق الرقيق المصري.

و في كل الكتاب المقدس نجد النبوات أنه إذا عصى الإسرائيليون الله، سيتشتتوا، ولكن إذا عادوا إلى الطاعة، سيتم اعادة تجميعهم لتشكيل الأمة مرة أخرى. و واضح من قراءة العهد القديم أن هذا ما حدث عدة مرات في تاريخهم. ومع ذلك، هناك نبوة غير عادية حول عودة اليهود إلى وطنهم موجودة في هوشع 3: 4-5:

"لأن بني إسرائيل سيقعدون أياماً كثيرة بلا ملك، وبلا رئيس، وبلا ذبيحة، وبلا تمثال، وبلا أفود وترافيم.‏ بعد ذلك يعود بنو إسرائيل ويطلبون الرب إلههم وداود ملكهم، ويفزعون إلى الرب وإلى جوده في آخر الأيام."

هنا تجد نبوة أن اليهود سوف يستمرون لبعض الوقت:

أ) بدون أي حاكم وطني رسمي أو معترف به.

حتى أثناء السبي البابلي، كان لليهود ملك، على الرغم من أنه خدم في البلاط البابلي.

ب) دون ذبيحة أو أفود (الثوب الكهنوتي).

بعد تدمير أورشليم في سنة 70 م، فُقدت سلاسل النسب الرسمية، و تم قتل رؤساء الكهنة على يد الرومان. و لا يمكن لليهود المتبقيين تتبع خطوط أسرهم إلى هارون بشكل يمكن الإعتماد عليه، وبالتالي فلا يمكن إعادة تأسيس خط الكهنوت. و مع عدم وجود رئيس كهنة لتقديم الذبائح، ومع دمار أورشليم و الهيكل، قام اليهود بتعديل ديانة العهد القديم لتكون بلا ذبيحة و بلا كهنوت. لاحظ أن ما فعلوه لم يتحولوا كشعب إلى عبادة الأصنام، لكنهمقاموا بتغيير دينهم القديم. وهكذا كان اليهود على حد سواء دون أفود و تمثال.

ج) بعد ذلك إسرائيل سيرجع.

لا يوجد بيان هنا أن أولاً اليهود يطلبوا الرب إلههم، ومن ثم يرجعون، كما حدث دائماً من قبل. يبدو أن اليهود سيعودون، ثم بعد ذلك يأتون مرتجفين للرب في الأيام الأخيرة.

يعتقد بعض الناس أن اليهود كانوا دائماً حريصين على العودة إلى وطنهم، خاصة في ظل الاضطهاد الذي تحملوه على مر القرون. ومع ذلك، في مطلع القرن العشرين، كان معظم اليهود ليس لهم اهتمام بالقرصنة في بلد جديد غير وطنهم القديم، والذي صار على مر القرون صحراء. جون أوركهارت، في كتابه الكلاسيكي عجائب النبوة، يلاحظ أن رابينوفيتس ذهب إلى فلسطين في عام 1882 للتحقق من جدوى هذه الفكرة، لكنه اضطر الى التخلي عن الفكرة بسبب فقر التربة واضطهاد الحكومة التركية.

ومع ذلك، عندما جاء هتلر الى السلطة في أوروبا وحاول القضاء على اليهود، أصبح من الواضح أنهم بحاجة لتشكيل دولة مستقلة حتى يتمكنوا من المحاربة على الأقل معاً. وهكذا بعد الحرب العالمية الثانية فر اليهود الذين نجوا من غرف الغاز إلى فلسطين وفي عام 1948 أصبحت إسرائيل دولة مرة أخرى. اليوم تواصل المشاعر المعادية لليهود من كتلة الدول الشيوعية في إندفاع المهاجرين إلى وطنهم في مرحلة ما بعد الحرب.

و توجد نبوة أخرى متعلقة بهذه العودة النهائية لليهود في إشعياء 11: 11-14:

"ويكون في ذلك اليوم أن السيد يعيد يده ثانية ليقتني بقية شعبه، التي بقيت، من أشور، ومن مصر، ومن فتروس، ومن كوش، ومن عيلام، ومن شنعار، ومن حماة، ومن جزائر البحر. ويرفع راية للأمم، ويجمع منفيي إسرائيل، ويضم مشتتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض. فيزول حسد أفرايم، وينقرض المضايقون من يهوذا. أفرايم لا يحسد يهوذا، ويهوذا لا يضايق أفرايم.‏  و ينقضان على أكتاف الفلسطينيين غرباً، وينهبون بني المشرق معا. يكون على أدوم وموآب امتداد يدهما، وبنو عمون في طاعتهما.‏"

اليوم في إسرائيل لا نجد العداء بين مختلف خطوط الأسرة، كما كان في إسرائيل القديمة: ما يهم هو أنك ابن ابراهيم. لا يعتبر المزيد من التمييز ذو أهمية.

في الختام نشير إلى نبوة بشأن المدينة القديمة أشقلون:

"لأن غزة [مدينة داخلية] تكون متروكة، وأشقلون [مدينة ساحلية] للخراب.  ويل لسكان ساحل البحر أمة الكريتيين!  [أي حول أشقلون] كلمة الرب عليكم: ستكون مرعى بآبار للرعاة وحظائر للغنم. و يكون الساحل لبقية بيت يهوذا. عليه يرعون. في بيوت أشقلون عند المساء يربضون."

صفنيا 2: 4،6-7

كانت أشقلون ميناء كبير على البحر الأبيض المتوسط ​​حتى تم تدميره من قبل السلطان بيبرس عام 1270 م. و لمنع المزيد من استخدامها كميناء طبيعي، ملأها بالحجارة. ثم أصبحت الأراضي المحيطة بها منطقة رعي الأغنام، كما تنبأ صفنيا. ومع ذلك، بعد أن عاد بنو إسرائيل في عام 1948، فقد أخلوا الميناء وإعادوا بناء المدينة الساحلية، كما تنبأ صفنيا أيضا. في المقابل، موقع غزة القديمة، عدة أميال في الداخل، لا تزال مهجورة و نسبياً لا يمكن الوصول إليها حتى يومنا هذا.

 

نبوات العهد الجديد

و بسبب قصر طوله وتركيزه المختلف، فإن العهد الجديد غير مفعم بالنبوات بقدر العهد القديم. ومع ذلك، فإن عدة نبوات مذهلة منه و التي تحذر تحديداًمن الجماعات المرتدة عن "المسيحية" في المستقبل:

"ولكن الروح يقول صريحاً: إنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان، تابعين أرواحاً مضلة وتعاليم شياطين،‏  في رياء أقوال كاذبة، موسومة ضمائرهم،‏  مانعين عن الزواج، وآمرين أن يمتنع عن أطعمة قد خلقها الله لتتناول بالشكر من المؤمنين وعارفي الحق.‏"

1 تيموثاوس 4: 1-3

هل هناك أي جماعة مسيحية اليوم تحرم الزواج على الأقل لجزء من أعضائها (إذا نهت عن الزواج للكل، فإنها سوف تنتهي بسرعة)، والتي تحرم أعضائها عن أكل بعض الأطعمة في أيام الجمعة وخلال الصوم الكبير؟ وهكذا نجد هنا مثالاً لنبوة تحققت بوضوح اليوم.

مثال آخر يتعلق بالزانية في الأصحاحات 17-18 من سفر الرؤيا، الذي يُقال أن مقرها مدينة على سبعة تلال، و ستكون في حالة سكر بدماء المسيحيين الذين قتلتهم و صاروا شهداء، و أيضاً هى منظمة يحتاج أن يتركها المسيحيون المطيعون. هذه النبوة متسعة جداًبحيث يصعب مناقشتها هنا، ولكنها بالتأكيد تستحق القراءة بعناية.

 

الخلاصة

تخيل أنك تعيش في بابل في عهد نبوخذنصر. بابل مدينة مزدهرة يسكنها ما يقرب من مليون شخص، و أنت كنت تاجراً غنياً، تشرف على القوافل التي تحضر التوابل من الهند إلى مصر. تذهب إلى معبد مردوخ كل أسبوع، ولك عشرة عبيد جيدين، عدة زوجات جميلات، وأربعة عشر طفلاً محبوبين يذهبون جميعاً إلى المدرسة. و ابن واحد التحق بالتدريب للخدمة في بلاط نبوخذنصر. وكان مردوخ صالحاً معك بالتأكيد.

لكن واحد من أفضل عبيدك هو من يهوذا، بقعة من العالم الثالث مفعمة بالمشاكل و التي محاها نبوخذنصر قديماً من على الخارطة منذ عدة سنوات. و هو يستمر بالرفض بأدب أن يذهب إلى المعبد معك، وفي كل مرة كان يحصل على فرصة يحاول ان يخبرك عن إله إسرائيل الرائع، الذي أخرج شعبه من مصر عبر البحر الأحمر، و الذي حطم أسوار أريحا، و الذي أرسل أنبياء مدهشين مثل إيليا .... ولكن في كل مرة كنت تستهزيء به و تقول: "كيف يمكنك التمسك بإلهك مثل هذا؟ قد غزاك مردوخ و شتتك! لماذا يتوجب علي أن أهتم بإله بلدك الصغير هذا، بينما أنت خسرت، وخصوصاً عندما تقول أنه الإله الوحيد؟"

كل هؤلاء الناس صاروا تراب الآن. شعب بابل، ممفيس، طيبة، صور، أشقلون وغزة وجميع الأهداف والآلهة التي كانوا يعملون لأجلها صارت تراب الآن أيضاً. و مع ذلك يبدو أن إله إسرائيل نجا و صارت له الفرحة و الضحكة الأخيرة. إن نبوات الأنبياء التي أدلوا بهاحيال هذه المدن القديمة التي اختارت انكاره، وعن الشعب اليهودي الذي عصاه، قد حدثت كلها.

وعلاوة على ذلك، تذكر أن الغرض من هذه النبوات ليس مجرد إرضاء فضولنا حول المستقبل أو تسليتنا في هذا اليوم. فإذا ما نظرنا إلى ما تم ذكره في الفقرات المذكورة أعلاه من إشعياء، يبدو أن إله الكتاب المقدس يريد ان يثبت نقطة: أنه هو الله وحده و ذلك لأنه، من بين كل آلهة هذا العالم، يمكنه التنبؤ بصدق بالمستقبل. يبدو أن إله الكتاب المقدس يقدم دليل موضوعي يمكن التحقق منه، يظهر، حتى لنا في القرن العشرين، أنه وحده يمكن ويجب أن نؤمن به من بين الأديان الموجودة.  و ربما كان يدرك، أكثر منا نحن، أنه بعد مائة سنة أخرى ستكون أجسادنا تراب، وسيكون علينا أن نواجه هذا الاختبار النهائي في الموت و هو "كيف تعرف أنك على حق". هل يمكن أن يكون إله إسرائيل كان يريدنا أن نمر من خلال الموت و نحن في فريقه؟ هل يمكن أنه كان يريد أن يكون لنا أساس سليم للثقة أكثر من الخبرات "الدينية" المعتادة؟ لننظر في شهادة واحد من كتاب العهد الجديد:

"لأننا لم نتبع خرافات مصنعة، إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته.‏ لأنه أخذ من الله الآب كرامةً ومجداً، إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى:"هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به".‏ ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلا من السماء، إذ كنا معه في الجبل المقدس.‏ وعندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت، التي تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها، كما إلى سراج منير في موضع مظلم"

بطرس الثانية 1 : 16 - 19

لا يدعي بطرس أنه بعد أن كان له هذه التجربة الدينية (الموضوعية!)، عرف فقط في قلبه أن المسيحية كانت صحيحة. إن ما توصل اليه كان أن ما فعله يسوع، وما فعله الناس به، قد تم التنبؤبه منذ مئات السنين قبل مجيئه. وعلاوة على ذلك، وبالنسبة لنا نحن الذين لم نكن شهود عيان، يوصي بطرس بأننا يجب أن لا ننصاع لتجاربنا العاطفية الخاصة، أو حتى نثق بتقريره الشخصي حول الأشياء التي قد شاهدها: لا، يدعونا بطرس إلى الإصغاء إلى البيانات التي يمكن اختبارها و اعادة اختبارها أي النبوات.

ما هي ميزة النبوةعن تجربة شهود العيان؟ البيانات النبوية موضوعية و مكتوبة. فإذا ما قلقنا حيال سوء تفسير شيء ما، يمكننا العودة والتحقق مرة أخرى. إن أدلة النبوة والتاريخ لا تتغير بحسب مزاجنا. يمكننا أن نثق بهذا النوع من البيانات بقدر ما يمكننا أن نثق أن الشمس اشرقت هذا الصباح.

قد يشعر شخص ما أن البيانات المقدمة هنا فقط لا تكفي أن تكون مقنعة، لاسيما عندما يكون وجود كائن خارق غيرهم على المحك. لسوء الحظ، لا يمكن للمرء أن يكثف كل نبوات الكتاب المقدس وكل تاريخ العالم في مقالة واحدة قصيرة مثل هذه. لمزيد من الأمثلة، انظر عجائب النبوءة، جون أوركهارت ودليل يتطلب قرار، لجوش ماكدويل.

يجوز الآخرين أن يكونوا غير مرتاحين نحو ذلك "التهديد" أن المسيحية توقفت عن أن تكون موضوعية، قائلين: "لن نؤمن بيسوع إلا إذا قام شخص من الموت و وقف هنا أمامي، وحذرني من الجحيم!" في حين أنه من الممكن لله أن يفعل هذا، إلا أنه من الخطورة بمكان وضع حدود إفتراضية التي يجب تجاوزها قبل أن نؤمن و نكون مقتنعين. المسألة الأساسية في أي تحقيق موضوعي ليس "هل لدينا كافة البيانات التي نريد؟" لأن هذا لن يحدث أبداً. بدلا من ذلك، يجب أن نسأل، "هل لدينا بيانات موثوقة بما فيه الكفاية لإتخاذ قرار معقول؟" في العلوم الفيزيائية لا أحد يحصل على كافة البيانات التي يريدها، فالمزيد من الأسئلة و المجالات الجديدة للبحث مفتوحة باستمرار. ومع ذلك، وخلال تصميم ذكي لنهجه التجريبي، فإن بيانات كافية يمكن جمعها عادة لتمكين الباحث لاتخاذ قرار ذكي على النحو الذي يجعله بين عدة نماذج أكثر دقة بشكل واضح. يجب أن نكون حريصين على عدم المطالبة بمزيد من البيانات من الله أكثر من التي نستخدمها عادة في القرارات الهامة الأخرى.

في لوقا 16: 29-31 يقول لنا يسوع أن الأدلة الواردة في موسى والأنبياء كافية. ربما هى ليست مثيرة وبراقة كما نريد، ولكن يعد البريق سيئ كدليل على الحقيقة مثله مثل العاطفة. فهل هناك أساس معقول للاعتقاد أن إله الكتاب المقدس موجود و أنه ينبغي الاستجابة له؟ بالتأكيد و بالمقارنة مع بقية آلهة هذا العالم، أن الجواب هو ببساطة "نعم".

جون أ بلوم

 

Produced for IBRI 
PO Box 423 
Hatfield, PA 19440


You can contact IBRI by e-mail at: rnewman@biblical.edu


Return to the IBRI Home Page

Last updated: January 19, 2002